شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الشك في عقد الزواج بسبب الوسواس القهري

الشيخ ياسر برهامي • الزواج والطلاق

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

فضيلة الشيخ الموقر، أرجو أن يتسع صدر سيادتكم لقراءة مشكلتي من أولها إلي آخرها حتي يكون ذلك عونا لكم علي الإلمام بتفاصيلها، دون لبس أو خطأ ودون نقصان تفصيل قد يكون مهما... بدأت مشكلتي في اليوم الذي يفترض أن تبدأ فيه سعادتي، في يوم عقد قراني، فقد كنت شابا عاصيا لا أتورع عن فعل معصية، ونصحني شاب من أصدقائي أن أتوب إلي الله وخاصة أنه رزقني زوجة صالحة، فقلت: سأتوب يوم كتب الكتاب.

وفعلا استيقظت يوم كتب الكتاب وفي نيتي أن أتوب فقمت للصلاة وبمجرد أن بدأت بصلاة الصبح هاجمتني الشكوك، صرت فجأة أشك في ديني، في الله وفي النبي -صلي الله عليه وسلم-، وفي القرآن، وصرت غير متأكد إن كان هذا الدين دينا حقيقيا أو مزيفا، أو إن كان هناك إله أصلا، والسبب الرئيسي وراء ذلك هو قراءتي لقصص الخيال العلمي التي أتلفت عقلي، ولما وجدت نفسي في هذه الحالة، ولما لم أكن أتخيل نفسي يوما في ديانة غير الإسلام، فقد شعرت بأنني قد ضعت تماما، وأخذت أبكي وأنتحب ثم قمت إلي الصلاة، وبعد أن صليت الصبح أخذت أقرأ القرآن، والشك لا يزال يفترسني، حتى إنني رأيت أن القرآن غير معجز، وتلفظت بذلك فقلت متسائلا في حزن وشك: ألا يستطيع أحد أن يؤلف مثل هذا الكلام؟؟

ولم أستطع أن أستقر علي إجابة محددة، وذلك رغم أنني أزهري حاصل علي الثانوية الأزهرية، فقمت وذهبت إلي شيخ عندنا في القرية، ولم أشرح له ما عندي فربما قتلني باعتباري مرتدا، وإنما طلبت منه علاجا لشخص استحوذ عليه الشيطان، فأعطاني شيئا لأشربه وشيئا لأقرأه، فنفذت ما قال بالحرف، ولم يذهب الشك، ثم ذهبت إلي إمام المسجد فطلبت منه أن يدعو لي بدعاء: "اللهم حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان"، فدعا لي، ولم يذهب الشك، ثم ذهبت لأعقد القران وأنا ممزق بين أمرين، الأول أن جزءا داخليا في قلبي قد يكون هو الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها كان مقتنعا بالدين، ولكنه كان جزءا منزويا لا يشغل حيزا أكثر من واحد بالمائة من قلبي كله، وبهذا الخاطر صرت أبكي لأنني خسرت الدنيا والآخرة، وأبكي أيضا لأن عقد قراني سيكون باطلا لأنني شاك وهي مسلمة.

ولكني لم أستطع من الناس فكاكا فعقدت قراني وأنا كالمغشي عليه من الموت حتى إن كل الناس لاحظت، ثم سافرت إلي عملي، وفي صباح اليوم التالي جلست أفكر وأقول إن سورة النصر ليست بمعجزة حتى إنني أستطيع أن أؤلف مثلها، ثم بدأت -ويغفر الله لي- بالتأليف ولم يقنعني تأليفي فسكت، ثم ورد إلي ذهني خاطر هو: "ربما لست الوحيد في الدنيا الذي أصابته هذه الشكوك" فدخلت إلي الإنترنت فوجدت الكثير ممن أصابتهم هذه الشكوك وهم يشكون حالهم إلي علماء الدين، والعلماء لا يكفرونهم وإنما ينصحونهم، فنفذت نصائح العلماء، والتزمت بتعاليم الدين فعاد إلي يقيني وعدت مسلما صادقا، وهنا بدأت مشكلة أخري:

بما أني كنت في ساعة عقد القران شاكا، بل وتلفظت بالكفر، فذلك يعني أني مرتد، حتى ولو لم أترك الدين إلي دين آخر، وبذلك يكون النكاح باطلا؟؟ فدخلت لأسألكم..

فإما أن يكون نكاحي صحيحا وذلك ما أستبعده فتكون مشاكلي كلها قد انتهت إلي غير رجعة -بإذن الله- وإما أن يكون باطلا، فأحب أن أخبر فضيلتكم، أن من عقد القرن لي علي زوجتي هو أخوها بتوكيل من أبيها، فهل يجوز له إن أخبرته أن يعيد لي عقد الزواج بموافقة العروس ودون إخبار والدها الذي قد يسبب المشاكل ويفشل الزيجة كلها، وسيتسبب لي بحرج بالغ، علما بأني والمرأة التي عقدت قراني عليها عاشقان يتحدث الناس كلهم عنا رغم أننا لم نعرف بعضنا إلا من شهرين.

وأننا سنحضر شاهدين يشهدان علي العقد، وهل إذا جاز ذلك يجب أن نشهر الزواج مرة أخري أم أن الإشهار قد حدث وانتهي ونكتم الأمر بعد إعادة عقد الزواج، أم ماذا؟؟ أرجو الإسهاب بارك الله فيكم فالشيطان سيجعلني أتشكك في أنني لم أوصل ما حدث جيدا إن لم تكن الفتوى مفصلة... بارك الله فيكم، ونفع بكم الإسلام والمسلمين..

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فما عانيته هو مرض معروف بالوسواس القهري، وطالما كانت الخواطر مكروهة وهو واضح تمام الوضوح من كلامك وبكائك وحزنك؛ فهي ليست شكا وإنما وسوسة لا تكفـِّر، ففي صحيح مسلم أن الصحابة سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ ) .

وبالتالي فأرى أن عقدك صحيح ولا تحتاج إلى تجديده، ويبدو أن المرض بدأ يظهر بصورة أخرى في الشك في صحة العقد، فإن زال الأمر بهذه الإجابة فبها ونعمت، وهذا من فضل الله، وإن استمرت الوساوس في هذا الأمر أو غيره؛ فالعلاج الطبي نافع جدا.