الخنزير من تهجين الدين إلى تهجين الأنفلونزا
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
الحاصل أن دعوى عدم وجود خطر أصلاً من لحم الخنزير التي يدعيها بعض المتعصبين مخالفين بذلك تصريح كبرائهم الدينيين والدنيويين على حد سواء، أو دعوى السيطرة على هذا الخطر التي تتبناها الجهات الرسمية في أوروبا وأمريكا؛ سرعان ما وقعت في اختبار جديد؛ وهو قيام الخنزير حال حياته بدور الوسيط في نقل كثير من الأمراض الحيوانية إلى الإنسان، والتي واجهوها -أيضًا- بمزيد من التدابير الوقائية، إلا أنه اكتُشِفت مسئوليةُ الخنازير عن وباء قاتل رُصِدت أربعُ موجات عنيفة منه في أعوام 1889 و 1918 و 1957 و 1968، كان أعنفها وباء 1918؛ الذي يُعتـَقد أن عدد ضحاياه تجاوز الأربعين مليونًا في العالم! بل قدَّره بعضهم بمائة مليون!! وكان أخفها وباء 1968؛ والذي يُعتَقد في مسئوليته عن وفاة مليون حول العالم!
وخلاصة الأمر على وجه التقريب أن هناك نوعًا من فيروس الأنفلونزا يصيب الطيور، وآخر يصيب الخنزير، وآخر يصيب الإنسان، وإن أمكن أن ينتقل إليه -أيضًا- فيروس أنفلونزا الطيور أو الخنزير؛ إلا أن قدرة الإنسان على تحمل ومقاومة كل هذه الأنواع من الفيروسات عاليةٌ جدًّا، ولا يكاد يموت أَحَدٌ من جرَّائها إلا إن قُدِّر له أن يأتيه الفيروس وجهاز المناعة عنده في حالة ضعف شديد لسبب أو لآخر.
كما أن الخنزير يصاب -أيضًا- بكل هذه الأنواع، وحدَث أن اتحد نوع من أنفلونزا الطيور مع نوع من الأنفلونزا البشرية ليخرج نوع آخر من الأنفلونزا الفتاكة تصيب الإنسان؛ وتؤدي في كثير من الحالات إلى الوفاة السريعة، وثمة اعتقاد أن للوباء دورة تطول أحيانًا وتقصر أحيانًا، وأن متوسطها حوالي 30 عامًا -مضى على آخر وباء نحوٌ من أربعين عامًا- بحيث يكون عدد المصابين بالمرض في كل مرة عددًا ضخمًا جدًّا، يموت منهم مَن يموت، بينما يكتسب الآخرون مناعةً ضد هذا الطور من الفيروس، في ذات الوقت الذي يواصل الفيروس دورةَ تهجين أخرى بين الإنسان والطيور عبر الخنزير؛ إلى أن يظهر فيروس بشري فتاك، وعلى الرغم من تصريح منظمة الصحة العالمية مِن أنها كانت في حالة ترقبٍ حَذِرٍ؛ انتظارًا للموجة الجديدة من هذا الوباء؛ إلا أنها لم تملك حياله إلا التشددَ بشأن أنفلونزا الطيور، والتشديد على دول العالم بشأن إعدام أي حالات اشتباه بين الطيور؛ حتى لا تضطر إلى المواجهة مع الخنازير، ولكنها -في النهاية- مع الإمبراطوريات التي تقف وراءها اضطرت الآن إلى الدعوة إلى التخلص من الخنازير!
هذه هي قصة قيام الخنزير بدور الوسيط لتهجين أنفلونزا البشر بأنفلونزا الطيور، ولكن هذه القصة لم تكن لتصل إلى هذه الدرجة من الخطورة؛ لولا الدور الذي لعبه "بولس" في تهجين دين عيسى -عليه السلام- بالمبادئ والعادات الوثنية لكافة الشعوب الوثنية في ذلك الوقت، لا سيما الرومان؛ ليخرج هذا الدين "المسخ"؛ الذي يسميه أتباعُه بالمسيحية! رغم اعتراف الكثير منهم بأنه دين "بولس" لا دينُ المسيح!!
ولنذكر هنا هذه القصة فيما يتعلق بإباحة الخنزير على وجه الخصوص:
تعود القصة إلى ولع الرومانيين بلحم الخنزير؛ شأن كل الشعوب الهمجية آنذاك، والتي رأت في الخنزير حلاً مثاليًّا؛ حيث يقوم بتحويل القمامة إلى لحم وفير! ومَن يطلع على أحوال الرومان في ذلك الزمان -بل وفي هذا الزمان؛ بعد أن يزيل القشرة الظاهرية المبهرة- يعلم أن قذارة الخنزير الظاهرةَ لم تكن تمثل أيَّ شيء لأمةٍ كأمةِ الرومان.
ولمَّا سيطر الرومان على فلسطين قبل بعثة عيسى -عليه السلام- وتركوا اليهود يعيشون في أرض فلسطين، ولكن مع ضغوط وتضييق عليهم في دينهم؛ مما دفع اليهودَ إلى استيراد كثير من مظاهر العبادات الوثنية وبعضِ أساطيرهم عن آلهتهم، وكتبوها في التوراة؛ فامتلأت الكتب التي نسبوها إلى أنبيائهم -رغم تصريحها بقضية التوحيد- بالأساطير الوثنية؛ منها: وصفهم الله -تعالى- بالتعب والإعياء، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع، ومنها قولهم: إن الله بعد أن أهلك البشر في الطوفان بكى حتى رمدت عينه وعادته الملائكة، ومع كل هذا التحريف في باب العقيدة -والذي ردَّه القرآن عليهم- حافظوا على الشريعة المكتوبة -على الأقل- على ما هي عليه، وإن خالفوا في التطبيق في كثير من الأحيان، ومن ذلك كثيرٌ مِنَ المحرمات في الأطعمة وغيرِها، وكذلك أبوابُ الحدود والعقوباتِ ونحوِها.
ومن الأمثلة على ذلك: تحريم أكل الخنزير الذي حافظوا عليه؛ وما زال موجودًا إلى يومنا هذا في الكتب التي بين أيديهم؛ كما في سفر اللاويين:
"11: 1 وكلم الرب موسى وهارون قائلاً لهما:
11: 2 كَلِّمَا بني إسرائيل قائلين: هذه هي الحيوانات التي تأكلونها من جميع البهائم التي على الأرض.
11: 3 كُلُّ ما شق ظِلْفًا وقسمه ظِلْفَيْنِ ويَجْتَرُّ مِنَ البهائم؛ فإياه تأكلون.
11: 4 إلا هذه فلا تأكلوها -مما يجتر ومما يشق الظلف-: الجمل؛ لأنه يجتر، لكنه لا يشق ظِلفًا؛ فهو نجس لكم.
11: 5 والوَبْر؛ لأنه يجتر، لكنه لا يشق ظِلفًا؛ فهو نجس لكم.
11: 6 والأرنب؛ لأنه يجتر، لكنه لا يشق ظِلفًا؛ فهو نجس لكم.
11: 7 والخنزير؛ لأنه يشق ظِلفًا ويقسمه ظِلفَيْنِ، لكنه لا يجتر؛ فهو نجس لكم.
11: 8 مِن لحمها لا تأكلوا، وجثثَها لا تلمسوا؛ إنها نجسة لكم" (1) .
وهذا يدل على أن الخنزير مُحَرَّمٌ في شريعة اليهود، وأن النص المُحَرِّمَ له موجود إلى يومنا هذا، بل موجودٌ مع توسعٍ في قاعدة التحريم؛ بحيث اعتُبِرت كُلُّ الحيوانات التي لا تجمع الشرطين المذكورَيْن نجسةً (2) .