شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ابحث عن الخد الأيسر

علاء الدين عبد الهادي • مذاهب فكرية في الميزان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زالوا يخدعوننا، وما زلنا ننخدع.

هذا ما يلخص حالنا وحالهم بأخصر عبارة وأجلاها بعيدًا عن الزيف والتدليس.

ولئن كانت كل أمة تسعى في سبيل نصرة عقيدتها -حقـًّا كانت أو باطلاً-؛ فلقد كان للغرب القائم على النصرانية طريقته الخاصة في ذلك خاصة حينما يكون الأمر متعلقـًا بالمسلمين، طريقة قوامها السيف تارة، والخداع والتمويه تارات أخرى.

ومن جملة ما يروجه نصارى الشرق والغرب وأذيالهم في ديارنا: فكرة التسامح والمحبة التي يتشدقون بها ليل نهار، وكيف أنها محور عقيدتهم، ولب دعوتهم، وهدف خطابهم التبشيري إلى الناس كافة.

هذه الفكرة الوهمية التي يصدقها كثير من الناس بفعل تأثيرهم الإعلامي المتنفذ في بلاد المسلمين، وما يرددونه على نحو مستمر بألسنتهم أمامنا -صراحة أو ضمنـًا- في خطابهم العلني وكتبهم ومقالاتهم، بل وصور الرهبان ذوي العيون الفاترة، هكذا جعلونا نعتقد ما يريدون لنا أن نعتقد عبر قنواتهم الثقافية التي يخترقون بها عقول الأمة.

إلا أنه ينبغي أن نعترف بأن تأثير خطابهم من الخارج يتضاءل أمام تأثير أتباعهم وحراس مصالحهم في الداخل، وفي كثير من الأحيان يكون هؤلاء الأتباع -الذين هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا- أشد ملكية من الملك، فتجدهم يدافعون وينافحون عن "الآخر المغاير"، وعن الغرب والعقيدة النصرانية، ويذبون عنها، ويحمون حماها بما لا يحسنه أهل هذه العقيدة أنفسهم ولا يتقنونه، وفوق ذلك هم يمتلكون قدرًا يُحسدون عليه من فنون لَيِّ عنق النصوص الشرعية وتطويع الأدلة، وربما إعادة رواية التاريخ بما يتناسب مع رؤيتهم الساذجة على أحسن الأحوال، أو نواياهم الخبيثة في أغلبها.

ولم يعد مستغربًا -في ظل حالة التيه الذي تحياه أمتنا- أن يصبح قلب الحقائق مألوفـًا، فيزينون القبيح ويُشوهون الحسن، وأن يُروا الناس الباطل حقًّا والحق باطلاً، مفاهيم مقلوبة يدندنون بها على آذان الناس ليل نهار في إصرار عجيب حتى أضحت جزءً لا يتجزأ من التكوين الفكري -بل والعقدي- لدى المجتمعات الإسلامية، ينشأ الناس على هذه الأغاليط كبيرهم وصغيرهم حتى تصير عقيدة من العقائد لا يفتـَئـُون يربون عليها أبنائهم جيلاً بعد جيل، مصداق ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ ) قِيلَ: " وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ " قَالَ: ( الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .

ولئن كان الجهل بحقيقة الأمور عارًا؛ فإن العار الأشد هو: المتاجرة بهذا الجهل، واستغلاله لأجل التطويع العقدي للمسلمين، والذي يُقدَّم مجاملة للغرب وتضامنـًا معه بواسطة بعض أعضاء "النخبة المثقفة" و"دعاة التقريب" وأصحاب دعوة "التعايش السلمي" و"فهم الآخر المغاير"، إلى آخر هذه القائمة التي مللناها وصولاً إلى أهل "حوار الأديان" ووحدتها!

والغريب أنه حين يكون الأمر متعلقـًا بأمن وثقافة "الآخر المغاير" فـ"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وحينما يتعلق الأمر بعقيدة المسلمين وصيانتها فتظهر هذه الدعوات كلها، وتعلو أصواتها مكتسية ثوب حكمة زائفة لا تروج إلا على منخدع.

وإن كان هذا هو موقف مثقفينا وقادتنا الفكريين فإنك تشعر بمدى الخذلان؛ حينما تتتبع -في المقابل- مواقف قادة النصارى شرقيهم وغربيهم، وحرصهم على ضرب الإسلام في كل مطعن تصريحًا أو تلميحًا، ولا مثال أدل على ذلك من مواقف بابا "روما" -رأس العقيدة الكاثوليكية- حينما نقل عن إمبراطور بيزنطي أقوالاً تصف ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه "شرير وغير إنساني، وأنه وطد أمره بالسيف"، في الوقت الذي يتظاهرون فيه بأنهم أصحاب دعوات الحوار والتسامح الإنساني، واحترام الأديان كافة!

أرادوا لنا أن نعلم أن رسالتهم هي: السلم والإخاء؛ لأنه في إنجيلهم: "لا تقاوموا الشرير، بل من لطمك على خدك الأيمن؛ فاعرض له الآخر"، بينما يقول قادتهم في المهجر: "إذا وضعنا بموضع الاعتداء الجماعي على حياتنا؛ فلندافع بكل ما تصل إليه أيدينا حتى أنبوبة بوتاجاز، أو زجاجات، مولوتوف، أو أعواد خشب، أو سواطير، أو حتى يد الهون حتى لا نموت فطيس مثل الدجاج!".

أرادوا لنا أن نعلم أن دعوتهم تتمثل في: "أحبو أعدائكم، باركوا لاعنيكم"، وأما الغرف المغلقة فيروجون لحديث آخر من مثل: "أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي"، ومثل: "وتحطم أطفالهم أمام عيونهم، وتنهب بيوتهم، وتفضح نساؤهم".

وكأن مثل هذه النصوص وغيرها قد ألهمت النصارى عبر التاريخ، فالقوم الذين يتظاهرون اليوم بأنهم أصحاب دعوة التسامح هم من قاموا بالأمس -بفعل عقيدتهم- بفظائع ومذابح نكراء لمخالفيهم:

فمع المسلمين:

وفي "الأندلس" -على سبيل المثال- حدِّث ولا حرج عن "محاكم التفتيش" التي كانت تمتحن الناس على عقائدهم، وتحكم عليهم بأحكام غاية في الفظاعة، يكاد يطيش العقل من تصورها سجنًا وتعذيبًا وتشويهًا، بتفنن واستلذاذ لآلاف الضحايا "تطهيرًا" لهم من الهرطقة!

وفي "العصور الوسطى" زحفت جحافل الصليبيين مرة من بعد مرة في حملات كبيرة على "مصر" و"بيت المقدس" وديار "الشام"، وفي كل مرة كان المسلمون -بفضل الله- يفيقون ويجلوهم عن بلادهم، ولكن بعد أن يكون الصليبيون قد ذبحوا وقتلوا -باسم المسيح وهو منهم براء-، وعاثوا في الأرض فسادًا، وملأوا البلاد بلاء ووباء ورعبًا ودماء، وهم من جاءوا رافعين الصليب يحمون إخوانهم من نصارى الشرق، وليحرروا بيت المقدس من قبضة المسلمين، وفي بعض هذه الحملات ظلوا جاثمين على صدر بلاد الإسلام لعقود فعلوا فيها ما فعلوا من فظائع.

الصفحة التالية