شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المتاجرة بالمرأة

ياسر عبد التواب • المرأة والأسرة

كما تكرس " الأمم المتحدة " جل اهتمامها عبر ما يقرب من ثلاثين عامًا لتقنين حرية المرأة الإباحية، وحريتها في الخروج على الأسرة، وتدمير المجتمعات تحت مزاعم وشعارات كاذبة، الأمر الذي يفضح رسالة تلك المؤتمرات، ويؤكد أن منظمات الهوس الفكري والشذوذ الجنسي الغربية قد فرضت سطوتها على المنظمة الدولية.

وللأسف الشديد فإن تلك الدعاوى التي تروج لها تلك المؤتمرات تجد لها صدى في عدد من البلاد الإسلامية عبر المنظمات المعنية بشئون المرأة، خداعًا للجماهير ومحاولة لتضليل المخدوعين، وبين الحين والآخر تخرج علينا مجموعات ما تسمى بحقوق المرأة وحريتها بآراء وكتابات وتصريحات تصب في مجملها وفحواها في التخديم على ما تروج له مؤتمرات الأمم المتحدة عن المرأة، والتي هي محل رفض من الشعوب المسلمة، وتتترس هذه المجموعات خلف المنظمة الدولية. فالأمر ليس جنة ، بل نارًا وعارًا وضياعًا وشنارًا.

لقد أصبح من ضغط الواقع على الأمة أن يتم إقحام موضوع المرأة في جميع الأمور، وكأننا ندفع تهمة عن أنفسنا بأن المرأة عندنا مظلومة مضطهدة؛ ومن ثم نحرص في كل الأحوال على التأكيد على عدم اضطهادها وأنها تأخذ حقها كاملاً إلى غير ذلك.

ومن ثم تجد تصرفات ساذجة في التعامل مع الموضوع مثل إقحام المرأة فيما قد لا تكون أهلاً له من الوزارات والمسئوليات وفقًا للتدرج الوظيفي والعلمي!

فقد تسند مهمة ما أو منصب لامرأة ما في الوقت الذي لو رشح رجل لنفس المنصب لما تم اختياره له أبدًا لأنه ليس له أهلاً!

فالأمر ليس استجابة لواقع المجتمع، وليس منحًا للمرأة فرصة تتناسب مع مؤهلاتها، وليس درءًا لاضطهاد وقع على المرأة؛ بل هو رضوخ لشبهات الأعداء ودفاع عن تهمة لا تعشش إلا في أذهان قائليها.

وإلا فأي جديد في الأمر من ناحية العدل أن يتم فرض بعض النساء بدون مواهب على بعض الأماكن دون استحقاقهن لذلك؟

لابد من أن نتعامل مع الموضوع بموضوعية وثقة، فإن وجد مكان يصلح للمرأة وتصلح له فما المانع من توليتها إياه؟! أما أن تكون لا تصلح له فمن الظلم للمجتمع - ولها أيضًا - أن يسند لها.

فمحاولة اتخاذ موضوع المرأة وادعاء إنصافها تكئة لقلب الأمور، وإشاعة الفوضى في المجتمعات؛ استجابة لضغوط الواقع أو مجاملة للغرب هو نوع من المتاجرة بالمرأة، وهو من صور الفساد الذي تسعى الدول إلى التخلص منه ومن آثاره.

ولأننا ننسى فإن موضوع المرأة واضطهادها هو دومًا أحد التهم الجاهزة ضدنا لدى الغرب بكافة أطيافه الفكرية والسياسية والاجتماعية، كأنهم يزعجهم شرف المرأة لدينا والتزامها بقيم الإسلام ، وارتدائها لحجابها ، واعتزازها بأسرتها.

في الوقت الذي تدعو قلة من عقلائهم إلى العودة إلى قيم الشرف والطهر والترفع عن مستنقعات الفحش والهوى والرذائل التي وقعوا فيه.

الغريب أنهم في الوقت الذي يزعجهم وضعية المرأة في بلادنا وحجابها على رأسها فإنهم لا يعبئون بكون المرأة إن أرادت التدين والتفرغ للكنيسة عندهم ترتدي ملابس هي شبيهة إلى حد كبير بالحجاب!

حتى إنني رأيت بعضهن من ظهورهن في " إسبانيا " فظننتهن خليجيَّات بسبب أنهن يرتدين عباءات رأس تغطي المرأة من أعلاها لأسفلها فلا تشك أنهن مسلمات ؛ لولا أنهن يرتدين الصليب!

ومن المشكلات الدينية لديهم هناك أنهم يمنعون من كانت حالها كما وصفت من الزواج بدعوى الرهبنة، وهذا نوع آخر من المتاجرة بالمرأة بمنعها من حقوقها -وإن كان يشاركها فيه الرجال المنخرطون في سلك الترهب أيضًا- ، وهذه لعمري سوءة كبيرة في هذه الحضارة؛ لكونها تمنع الزواج الذي هو فطرة الإنسان.

ففي الوقت الذي لا ينزهون الله -تعالى- عن الصاحبة والولد فيدعون له ذلك - عياذًا بالله - ، وفي الوقت الذي تدون في كتبهم المسماة بالمقدسة ممارسات فاجرة ينسبونها إلى الأنبياء، فإنهم يأنفون عن الزواج وعن تزويج المتدينين أولئك، ولذا ؛ فاحت روائح الانحراف وتناثرت أنباء الفجور.

يقول الدكتور محمد بن سعد الشويعر: "في عام 1985م انبرت صحفية أمريكية لمهاجمة " التوراة " و " الإنجيل " ورجال الدين عندهم، واتهمت الجميع بنكران حق المرأة، حيث لم يأتِ لها ذكر في " الأناجيل " ولا " العهد القديم "، بينما الإسلام أعطاها مكانة رفيعة، فخاطبها إلى جانب الرجل، وجعلها جوهرة مصونة وبين لها حقوقًا انفردت بها بالخصوصية ومع الرجل فيما يشتركان فيه، واستدلت ببعض الآيات مثل: ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) (الأحزاب:35) ".

ويحكي الدكتور الشويعر عن طبيب درس في مدينة "كُلُنْ" بألمانيا منذ سنوات، وتزوج زميلته في الجامعة، ثم عزم على السفر إلى بلاده ؛ لأن أمه مريضة، فأصرت زوجته على مرافقته، وذهلت الزوجة من هذا الاهتمام الذي أبداه أبناء الأسرة بأمهم وبالعناية الشديدة التي عوملت بها العجوز المريضة، وفي طائرة العودة لم تستطع كتمان شعورها، فقالت لزوجها: لماذا لم تخبرني عن مكانتكَ الاجتماعية، فهل أمك من الأسرة المالكة ؟ فقال: لا هذا ولا هذا، وما الذي دعاكِ إلى هذا الحكم؟ قالت: المكانة الكبيرة التي تحتلها أمك بين الناس تقديرًا وإكرامًا وحفاوة.

فقال: أنا وأمي وأسرتنا من وسط المجتمع، ولكن هذه تعاليم الإسلام الذي هو ديننا، بل إن حقها الذي يحث عليه ديننا أكبر من ذلك.

وبدأ يشرح ويترجم لها فأسلمت وصارت في المناسبات تردد: الأم في مجتمع المسلمين ملكة غير متوجة ، بل أسعد من ملكات الغرب.

فهل نعي الدرس ونبتعد عن تسييس وضع المرأة ونكف عن الاتجار بها؟

الصفحة السابقة