شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

خطاب "نتنياهو"... والتأصيل العقدي!

الشيخ ياسر برهامي • حدث وتعليق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد جاء خطاب نتنياهو الأخير ليصفع أحلام الواهمين في السلام، ويركلها بإذلال وإهانة برفضه لجميع المطالب التي يحاولون بها المحافظة على ماء وجوههم في المطالبة بالسلام كـ"خيار استراتيجي" لا يحتمل التنازل؛ لأنهم قرروا أن حرب 73 هي آخر الحروب.

جاء هذا الخطاب ليقرر نوايا اليهود ورغباتهم في الاستعلاء، وممارسة الكبر، والطغيان بالمطالبة بالاعتراف الفوري والعلني والصريح والأبدي بحق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية، ولا يشك أحد أن هذا المطلب ليس لأجل أن مقومات وجود إسرائيل تفتقر إلى مثل هذا الاعتراف وإنما هو لتغيير المعتقد الباطن لدى الشعوب المسلمة في عداوة اليهود، وبطلان قيام دولتهم، حتى وإن عجزت في الوقت الراهن عن أي عمل من شأنه أن يغير الواقع المفروض فالمطلوب إذن عقيدة القلوب وأعمالها لضمان الاستمرار الآمن لهذه الدولة بصفتها دولة يهودية قبل أن تكون ديمقراطية.

ولهذا كان الرفض الأكيد لحق العودة للفلسطينيين الذين طردوا من بلادهم وديارهم؛ لأن معنى عودتهم زوال دولة إسرائيل كدولة يهودية؛ لأن الخلل الذي يمكن أن يحدث في تركيبة السكان لصالح الفلسطينيين، والذي بحكم الديمقراطية يقتضي أن يكون لهم الكلمة الأولى والصوت الأعلى -ولا يمكن أن يكون مقبولاً لدى الدولة اليهودية-.

وكان تبريره بأن حق اليهود في فلسطين مقدم على حق الفلسطينيين؛ لأنهم أسبق في ملكيتها بأكثر من ألفي سنة -غاية في التأصيل العقدي لمواقفهم السياسية- ثم جاءت موافقته على دولة فلسطينية منزوعة السلاح -بالطبع إلا من سلاح يوجه إلى صدور الفلسطينيين خصوصًا الإسلاميين منهم- تأكيدًا لمطالبة "أوباما" من قبله للفلسطينيين نبذ العنف -دون مطالبة اليهود حتى بتخفيفه-؛ جاءت هذه الموافقة حقيقة عارية على ما يريده الأعداء من إذلال الأمة وفقدها هويتها، وإقرارها بالعبودية التامة لهم والخضوع الذي لا يحتمل مداراة ولا مجاملة.

ألا يدفع هذا التأصيل العقدي للمواقف والاتجاهات السياسية -التي رفعت نسبة التأييد له في استطلاعات الرأي لدي اليهود- العرب والمسلمين إلى أن يعيدوا حساباتهم حول مواقفهم مِن هذا الكيان المحتل الغاصب لبلاد المسلمين، ولبقعةٍ هي مِن أشرف البقاع عندهم؟!

ألا تدفع المحاولات المستمرة لتغيير الواقع حول المسجد الأقصى، والاعتداءات المتكررة عليه، وإظهار الخطط القديمة والحديثة لبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه إلى الرجوع إلى عقيدة أهل الإسلام، والمواقف المبنية على نصوص القرآن والسنة عن هؤلاء اليهود، وأن تبنى الإستراتيجية على حقائق الكتاب والسنة بدلاً من أوهام الخيار الاستراتيجي للسلام الأبدي؟!

أليس عندنا في كتاب ربنا وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- النصوص الواضحة التي نؤصِّل عليها مواقفنا؟!

ألسنا أولى منهم بالتأصيل العقدي لتوجهاتنا السياسية وغيرها؛ إذ أن عقيدتنا هي العقيدة الصحيحة، وديننا هو دين الحق؟!

ووعْد الله بظهوره على الدين كله هو الوعد الحق الذي لا يُخلف، ورسوله -صلى الله عليه وسلم- هو خاتم الرسل الذي بعث بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقه تحت ظل رمحه، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وكتابنا هو الكتاب الوحيد في العالم الذي يـُقطع بأن كل كلمة منه هي مِن كلام الله -تعالى-، وقد ضمَّنه الله -سبحانه- كيف نتعامل في كل أمورنا، بما في ذلك موقفنا مِن أعدائنا؛ عند النصر، وعند الهزيمة، وعند الظهور والتمكين، وعند الاستضعاف؛ فهويتنا وولاؤنا وعداؤنا لا بد أن نستلهمهما مِن كتاب ربنا وسُنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-.

وهذه بعض النصوص التي تلزم كل مؤمن بالقرآن وبالرسول -صلى الله عليه وسلم-:

قال -تعالى-: ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ) (المائدة:82) .

وقال -تعالى-: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة:30-33) .

وقال -تعالى-: ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) (البقرة:120) ، وقال -تعالى-: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ . إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ) (الأنبياء:105- 106) .

وقال -تعالى-: ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) (الصافات:171-173) ، وقال -تعالى-: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) (النور:55) .

الصفحة التالية