شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحجاب لنا ستر ولهم كشف

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تلقت الأمة الإسلامية نبأ مقتل الأخت "مروة الشربيني" على يد حقود صليبي في "ألمانيا"، وفي ساحة "المحكمة" في ظل حالة من "الغيبوبة" المتعمدة من الشرطة التي أفاقت من غيبوبتها بسرعة البرق عندما حاول زوج المجني عليها أن يدافع عنها؛ فانطلقت رصاصتهم إليه؛ لتقع به بين الحياة والموت! بينما يخرج الجاني من "الملحمة" و"المحكمة" وكأنه كان في نزهة!

ولا يُدرى هل ستضطر المحكمة التي سيحاكم أمامها إلى الشدة معه ولو من باب حفظ ماء الوجه أو من باب أنه أهان القضاء الألماني؟ أم سيستحضرون أن الجاني كان في حالة دفاع عن هوية "أوروبا"، وأن الفرق الوحيد بينه وبين الكثير منهم هو الجرأة لا أكثر ولا أقل؟!

وإذا كان ذلك القسيس الألماني الشهير لم يجد وسيلة يعبر بها عن رعبه من الاجتياح الإسلامي إلا بحرق نفسه؛ فإن هذا المجرم قد وجد وسيلة أخرى وهي قتل امرأة عزلاء كل ذنبها أنها صدَّقت أن في الغرب احترامًا لحقوق الإنسان؛ فأخذت بعض حقها على الورق، ولكنها دفعت حياتها ثمنـًا لهذا.

إن المجتمع الغربي عندما أصَّل لدعاوى الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية وغيرها؛ أصَّل لها على أساس علماني مشوب بخلفية نصرانية، وفي ظل سيطرة واقعية للغرب على مقاليد العالم، ولا يتقبل العالم الغربي أبدًا أن يتم توظيف أيًّا من هذه النظم لنصرة أي مبدأ آخر؛ لا سيما الإسلام، ومن ثمَّ تتصاعد هجماتهم على الحجاب والمحجبات في "فرنسا" وفي غيرها من البلاد الأوروبية، وعندما تكرم علينا "أوباما" بعدم معارضته للحجاب (1) ، واضطر "ساركوزي" إلى موافقته سرعان ما عاد وأعلن عدم استعداد بلاده لتقبل المنقبات؛ مما فتح ملف الحجاب نفسه في "فرنسا "(2) ؛ لتستمر "الحملة الفرنسية" على الحجاب رغم المجاملة العارضة لحجاب "أوباما" الذي جاء هو الآخر كمجاملة عارضة للعالم الإسلامي.

إن الكراهية الغربية للحجاب هي بالتأكيد جزء من كراهيتهم العامة للإسلام؛ ولكن الحجاب يحظى بالدرجة القصوى من هذه الكراهية؛ فلماذا الحجاب؟!

لقد تساءلنا من قبل: لماذا ركزت "طلائع التغريب" جهودها على باب المرأة أكثر من غيره؟!

وجاءنا الجواب بلسان الحال والمقال : إن إفساد المرأة المسلمة إفساد للمجتمع الإسلامي بأسره.

وتساءلنا عن سر اهتمام الساسة الغربيين بمحاربة الحجاب في بلادهم؟

وجاء الجواب بلسان الحال والمقال: إن الحجاب هو الهدي الظاهر المميز تمامًا "للمسلمة"، والذي يعكس بدوره حجم تواجد المسلمين في المجتمعات الغربية.

ولكن اليوم ونحن أمام شاب يضيق على طفل يلعب بأرجوحة لكون أمه محجبة، ثم عندما تعاتبه يصفها بالإرهابية؛ لأنها محجبة، ثم تحصل على حكم بالغرامة عليه فيقطعها إربًا في ساحة المحكمة!

إن هذا السلوك العدواني البالغ القسوة والفظاظة يؤكد أن قضية الحجاب في العقل الأوروبي أعقد من ذلك، إنها قضية كراهية متأصلة في عموم الأوروبيين للحجاب.

والذي يبدو أنها تكرار لذلك الشعار الذي أطلقه قوم لوط من قبل: ( أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) (النمل:56) .

إن الفرد الأوروبي ممزق الفكر في كل ما يتعلق بالكون والحياة؛ فهو لا يدري إلى أي الحضارات ينبغي أن ينتمي: إلى حضارة اليونان الذين سرق آباؤه حضارتهم؟!

أم إلى حضارة الرومان الوثنيين وولعهم بالنساء؟!

أم إلى حضارة النصرانية التي تقرر أن عدم الاقتراب من النساء أولى تحت أي مسمى وفي أي ظرف؟!

وفي ظل هذا التمزق انطلقت شرارة الدعوة إلى حرية المرأة، وسواء قادها اليهود؛ ليفسدوا غيرهم من الأمم، أو قادها أصحاب رءوس الأموال؛ ليتمكنوا من إخراج المرأة للعمل لتوفير العمالة الرخيصة، فإن هذه الدعوة قد استمرت إلى أن حوَّلت المجتمع الغربي إلى غابة جنسية؛ العري هو شعارها الأول، ولكن الإنسان الغربي ما يزال إنسانـًا، وما تزال بقايا من الفطرة السليمة في نفسه، ومن ثمَّ يشعر بتأنيب الضمير كلما تدبر في حاله، ورأى الأمور على ما هي عليه.

ومن ثمَّ يخجل العراة إذا وجدوا بينهم كاسيًا، وهذا لا يقتصر على الغرب، ولكنه يوجد لدى كل مجتمع منحرف عن الفطرة يريد أن يتخلص من وخز الضمير، وإذا نظرت إلى الطبقات الأكثر تأثرًا بالغرب في بلادنا -لا سيما في قضية ملابس المرأة- تجد أنهم لا يكادون يطيقون وجود كاسية بينهم، فبين الحين والآخر تنقل لنا الصحف معارك قامت في القرى السياحية حيث توجد نسبة كبيرة من المحاكين للغرب، وكيف يتشاجرون مع أي امرأة إذا استبدلت لباس البحر بـ"الاستريتش" الذي لا يعد ساترًا إلا إذا قورن بملابس البحر؛ وإلا فهو في واقع الأمر من الملابس الكاشفة الفاضحة!!

ولكن القوم يشعرون بجرح كرامة من أن كل من تستر نفسها بأي درجة من الستر وكأنها تضع أمامهم الحقيقة التي لا يريدون لأنفسهم أن تفيق عليها؛ بل يكرهون أن ينبههم أحد إليها ولو بالسلوك الصامت، ومن هنا كان تصرف قوم لوط وقولهم: ( أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) (النمل:56) ، ومن هنا قالت العرب في أمثالها: "ودت الزانية لو زنت النساء جميعًا".

ولذلك لا يكاد الفرد الغربي يطيق أن يرى الحجاب على الرغم من أنه داخل في حدود الحرية الشخصية التي يزعمون الإيمان بها، والتي يتضح في كل محك أنها حرية الكفر والفسق فقط، لو أن الغرب لم يكن يرى في الحجاب إلا أنه ستر لصاحبته ربما كان تعامله معه أهون من ذلك، ولكنهم يرون فيه "تعرية" لواقعهم "العاري" أكثر من كونه سترًا لصاحبته.

الصفحة التالية