أحداث غزة إفراط في السياسة والخيال والقوة والحزبية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
بنى الشيخ على هذه الرؤيا؛ واتخذ قراره بإعلان "إمارة غزة الإسلامية" في "رفح"، وتحديدًا في مسجد "ابن تيمية"، ودعا المقاتلين من خارج "الإمارة" بأن يأتوا ليأخذوا التوجيهات العسكرية من المسجد.
وهو تصرف بعيد كل البعد عن الفقه لا سيما والمنكرات التي يريد إنكارها، والحدود التي يريد تطبيقها غالبًا إن لم يكن دائمًا ما ستكون خارج حدود المسجد الذي هو إمارته فضلاً عن الطعام والشراب وكل شيء.
وإذا كان البعض يعتبر تصرف "حماس" في الاستقلال بحكم "غزة" أشبه بذلك إلا أنه يبقى أنهم استطاعوا ولو بسلاح "الضعف" فرض الأمر الواقع على الأطراف الأقوى.
غالب الظن أنه حاول استنساخ التجربة مستخدمًا سلاح "الضعف" الذي استخدمته "حماس" إلا أنه فاته أن محاولة الاقتحام الإسرائيلية لـ"غزة" كان هناك موانع دونها بينما لم توجد لدى "حماس" موانع من هذا الاجتياح فالأخوة الإيمانية لم تشفع لهم عند "حماس"؛ لأنهم رأوا أن "جند الله" هم الذين بدأوا بتكفيرهم، ونسوا سلوك الصحابة -رضي الله عنهم- مع الخوارج الحقيقيين الذين خرجوا على أعدل الناس؛ لقد صبر "عثمان" -رضي الله عنه- على القتل ببشرى بشره بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ) (متفق عليه) ، رغم أن الخوارج عليه كانوا من حثالة الناس، وما أنكروه عليه لم يخرج عن كونه إما أشياء غير منكرة، وإما أكاذيب.
ولم يشأ "عثمان" -رضي الله عنه- أن يدافع عنه من في المدينة من الصحابة -رضي الله عنهم- لعدم تكافؤ القوى، وأرسل في طلب مدد بحيث يمكنه السيطرة على الموقف بدون إراقة دماء، وإلا فيكفي دمه هو، وقد كان، وتأخر المدد حتى لقي ربه شهيدًا -رضي الله عنه وأرضاه-.
و"علي" -رضي الله عنه- لم يقاتل الخوارج حتى كانوا هم البادئين، وأما قتاله مع "معاوية" -رضي الله عنه- فكان فيه التشاور والمناظرة، ومحاولة إصلاح ذات البين، ثم لما حدث القتال لم يكن فيه إتباع المدبر، ولا الإجهاز على جريح.
وإذا لم تشفع لهؤلاء الإخوة أخوتهم الإيمانية فهلا شفع لهم "القانون" الذي تتمسك به "حماس" والذي هو سبب الخلاف بين الفريقين؟؟!!
وبعيدًا عن الروايات المتناقضة حول البادئ، وحول ملابسات مقتل الشيخ "عبد اللطيف" نفسه؛ فإن "حماس" لم تتصرف في هذه الواقعة كسلطة مسئولة عن حماية رعاياها حتى وإن شطحوا، وإلا فإن السلطات في كل بلاد الدنيا تمتلك من التكتيكات التي يمكنها بها أن تجبر مجموعة متحصنة داخل مبنى، وليس معهم رهائن من غيرهم على الاستسلام دون وقوع خسائر في الأرواح حتى لو بدأوا بالقتال فتوجد لدى السلطات وسائل قتالية وقائية تستنزف ذخيرتهم حتى تفنى، ولكنه الإفراط مرة أخرى؛ ولكنه في هذه المرة إفراط في استخدام القوة بدون سند شرعي ولا قانوني.
إن من أخطر الأمور التي تواجه الحركات الجهادية كـ"حماس" و"جند الله": وجود السلاح في اليد مما يغري باستخدامه في مواطن قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في مثلها: (فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ) (رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، وصححه الألباني) .
وأما ردود الفعل فكانت -إلا ما رحم ربي- إفراط في الحزبية، والعصبية، واتخاذ المواقف المبدئية بناء على درجة القرب أو البعد الفكري والتنظيمي عن كل طرف، وكأن المعلقين قد فاتهم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) (متفق عليه) .
فإلى حماس: طالما أنكم ممكنين في "غزة" فأقيموا شرع الله تنعموا في الدنيا والآخرة، ولا يضركم تخذيل المخذلين؛ (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد:7) ، فإن أبيتم إلا الترخص بما تظنونه رخصة في ترك تحكيم الشريعة رغم تمكنكم خشية من غضب هذا أو ذاك، فلا أقل من الرفق مع من "يخرج" عليكم ظنـًا منه أن هذا هو الواجب عليه، وتجنبوا دم المسلم فإن حرمته عند الله عظيمة، واعلموا أن دفع الصائل لا يجوز إلا بأهون ما يندفع به فإن تعدى ذلك فهو بغي في رد العدوان.
وأما هؤلاء الخارجون فنقول لهم: بقليل من التأمل في نصوص الشرع نجد أن الصبر مع استمرار الدعوة والبيان هو الواجب في مثل هذه الأحوال.
ونصيحة لمن بقى من جماعة "جند الله" بعد ما شاهدوا بأعينهم مقتل شيخهم وإخوانهم: أن هذا لا ينبغي أن يزيدهم إلا صبرًا؛ تقديمًا للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ولأنهم لا يستطيعون معرفة القاتل الحقيقي لإخوانهم، وهل بدأهم أم هم بدأوه ولا يغني هاهنا أن نقول إن فلانـًا يستحيل أن يقدم على كذا.. أو يكون هو البادئ بكذا...
وإن كانت النصيحة لحماس أيضًا: أن تبادر بكل شجاعة ومن منطلق مسئولية شرعية وقانونية -أن أبوا إلا الكلام عن القانون- بتحري الأمر ومعالجة آثاره؛ بدفع الديات، وتطبيق العقوبات، الشرعية على كل من يثبت تورطه في العدوان.
ولكل المعنيين بالشأن الإسلامي في العالم: ساهموا في إطفاء الفتن، وكونوا مفاتيح للخير مغاليق للشر.
نسأل الله -تعالى- أن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها، وما بطن.