شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حوار موقع صوت السلف مع الشيخ جمال عبد الرافع

صوت السلف • حوارات

فتعليم الناس أصول الدين وفروعه هو الأساس لأي نهضة ثابتة نرجوها، وأما أهم القضايا: فتأصيل الاعتقاد الصحيح أولاً، وترسيخ محبة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ودينه في النفوس، واستيعاب فكرة أن النصر في الآخِر للإسلام، وتوضيح أن الخطر الأكبر على المسلمين الآن هو: "العلمانية"، خاصة وأعداؤنا حريصون على إظهارها بأنها الحل، وأن الإسلام لا يصلح للتطبيق فقد فشل -بزعمهم- في أفغانستان، والصومال، وغزة... إلى آخر ما يرددون... في الوقت الذي يضيقون فيه على الدعوات؛ حتى يختزل تأثيرها ويضعف، وينصرف عنها الناس، وهكذا يظهر المشروع الإسلامي بصورة مشوهة، وتفرغ الساحة للعلمانية فقط.

صوت السلف : رمضان شهر خلوة وصيام وتبتل، فهل هناك تعارض بين هذا وبين بذل الجهد في الدعوة إلى الله في رمضان؟

جمال عبد الرافع : في رمضان يقبل الناس على المساجد، وهم أكثر تأثرًا في رمضان من غيره ويصبح السمت العام للجميع "التدين".

والغريب أن رمضان بالنسبة لأهل الدعاية والإعلام والفن والغناء موسم جد واجتهاد، وبرامج ومسلسلات، وأفلام، وخيمات رمضانية، وباطل ومجون فكيف يترك صاحب الحق الساحة لهم بدعوى الخلوة والتبتل، بدلاً من أن يقتنص الفرصة، ويشمر ساعده، ويرتدي عباءة الإصلاح ونشر الخير بين الناس، ويبذل في ذلك قصارى جهده في الترويج للحق والدعوة لدين الله -تعالى-، ويجهد نفسه وذهنه في ابتكار الوسائل والبرامج لدعوة الخلق إلى الحق؟!

وحال السلف من التفرغ للعبادة والخلوة، والانشغال بالنفس عن الناس كان في زمن سقف الطاعة والصلاح فيه مرتفع، والسمت العام للمجتمع: "الصلاح"، أما الآن فالوضع مختلف، والناس في حاجة إلى من يلاحقهم بالنصيحة، وهم في سائر العام معرضون فكيف إذا أقبلوا عليك في رمضان تعرض أنت؟!

صوت السلف : يقول البعض: يعاني الناس في رمضان من ضعف وخمول نتيجة للصيام فيقل جهدهم في الأعمال الدنيوية فما هي الحكمة في أن يأتي شهر كامل يؤدي إلى تباطؤ اقتصاد المسلمين وإضعافه؟ أم أن الأمر يمكن النظر له من زوايا أخرى؟

جمال عبد الرافع : قرأت أن الأطباء يؤكدون أن التعب في رمضان راجع لعامل نفسي أكثر منه عامل جسدي؛ فالكسل والتباطؤ بالعمل في رمضان هو حالة نفسية تصيب الصائمين، وتوحي لهم بالإرهاق، فيشعرون بالتعب وعدم القدرة على العمل، وشهر رمضان هو شعر العبادة، فيه تتطهر النفس ويصفى الذهن، وهذا أقرب للنشاط، وفيه تمت أهم الفتوحات، ولكن السهر والإفراط في الطعام، والإكثار من الحلويات، وتغيير السلوك الغذائي والمعيشي هو ما يسبب هذا الخمول والكسل.

صوت السلف : القرآن منهج حياة؟ فكيف يمكن للدعاة ترسيخ هذا المعنى في نفوس المقبلين على المساجد في رمضان؟

جمال عبد الرافع : القرآن فيه الاعتقاد، وفيه العمل، فيه العبادات والمعاملات، فيه الأسس التي تـُربى عليها شخصية المسلم القويمة.

ففه أدلة الربوبية بصورة قاطعة، والألوهية، والأسماء والصفات، فيه الأمر بالإيمان: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56) .

فيه ذكر العبادات والأمر بها، وكان في الوحي -القرآن والسنة- ذكر تفاصيل تلك العبادات ودقائقها.

فيه ذكر المعاملات وما يحتاج له المسلم في تعامله مع المسلمين أو مع غير المسلمين من بيع وشراء، وزواج وطلاق، والجائز من التعامل وغير الجائز، وحتى العقوبات وتفاصيل العقوبات، فضلاً عما ورد فيه من أوامر بالخلق الحسن، والسمت الحسن، والسلوك الفاضل، وكذا ما ورد فيه من نواهٍ عن كل رذيلة، وخلق سيء.

في القرآن علاج للشهوات، والشبهات، وفي القرآن بناء للأسرة الصالحة فكل ما يحتاجه المسلم كفرد، أو المجتمع على سبيل العموم: موجود في الوحي: الكتاب والسنة.

ومدارسة القرآن في رمضان، والتركيز على ذلك كهدي السلف، وفهم الآيات ومعرفة سبب النزول، والربط بين واقع الجيل الأول والأخير لاشك أنه يؤثر في فهم الآيات وترسيخ معناها في النفس، وضرب المثال العملي للتطبيق من الجيل الأول ليقتدي الأخير.

صوت السلف : ينتقل بعض الإخوة ـومنهم مؤثرون في الدعوةـ بين المساجد طلبًا للقارئ حسن الصوت، فما هي رؤيتكم لهذا التصرف؟

جمال عبد الرافع : منَّ الله علينا بوجود جمع من الملتزمين الواعين بأهمية الدعوة وخطورتها، لكن وجد عند البعض من الملتزمين نوع من "اللا مبالاة" بأهمية الدعوة، وأصبح شعار البعض: "ما دام أن الشيخ فلان موجود ويدرس أو يخطب أو يوجه فيكفي هو".

هناك نوع من البلادة عند البعض، وأصبحت قضية "الأنا مالية" بالنسبة لهم اختيارًا، وطريقة حياة. هو نوع من رفض تحمل أي مسؤولية.

إلا أن المسألة ربما لها أكثر من جانب:

ففي الوقت الذي يحق لكل شخص أن يبحث عن مسجد يخشع فيه أو صوت يخشع خلفه، فإن هذا الحق مشروط بعدم ترك النفع العام -أو قصد الدعوة- إلى النفع الخاص.

كذا على أهل المسجد الحرص على إيجاد الإمام الحافظ المتقن، صاحب الصوت الحسن؛ تفاديًا لخروج البعض إلى مساجد أخرى.

كذلك على إمام المسجد تكليف الجميع -قدر المستطاع- بأعمال دعوية مما يشغلهم عن ترك المسجد والذهاب إلى غيره.

وأخشى أن من كان مؤثرًا في الدعوة وترك مسجده -محل دعوته- إلى مسجد آخر ليصلي فيه أن يأثم إن تسبب في إحباط لمن حوله من العاملين في الدعوة في مسجده؛ مما قد يؤدي إلى إفشال مجهودهم في رمضان، ويكون هم صاحب السنة السيئة.

صوت السلف : يزداد الزخم الإعلامي في رمضان بكل وسائله الملهية والمفسدة فكيف يمكن للدعاة مواجهة هذه الحملة بإمكانياتهم المحدودة؟

جمال عبد الرافع : كما تفضلتم في السؤال: "بإمكانياتهم المحدودة"، إذاً لابد من حل، وفي الحقيقة التفكير بهذه الطريقة غير صحيح -من وجهة نظري-، بل هم إمكاناتهم محدودة، لا نحن؛ لقول الله -تعالى-: (فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) (الأنفال:36) .

والدليل الواقعي على ذلك أن الحملات الصليبية على الإسلام وأهله في الغرب أدت إلى انتشار الإسلام لا انحساره؛ فالقرآن من أكثر الكتب مبيعًا في العالم، وبناء المساجد في ازدياد.

الصفحة السابقة الصفحة التالية