رمضان بين التخلية والتحلية
جمال عبد الرافع • التزكية
من تعود على قراءة الكتب والاستماع إلى الدروس، والخطب، والمحاضرات حتى صار مخزنـًا للمعلومات، ثم تطلعت نفسه أن يترك كسله؛ لينتقل إلى منازل الدعاة المصطفين الأخيار الذين قال الله -تعالى- فيهم: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (فصلت:33) ، فاتخذ هو أو هي القرار المصيري فينتقل من التعلم إلى التعليم، ومن جمع المعلومات إلى الإفضاء بها لمن حوله سواء بنصيحة أو حوار أو كلمة في مجلس، ولا ينتظر أن يأتيه الناس، بل يأتي مجالسهم ويشترط على نفسه أن يبلغ كل ما علمه، فإن عجز لسانه عن الفصاحة والبيان فلا أقل من أن يتبرع بمال ينشر به علمًا، أو يساعد عالمًا في نشر علمه، فيكون قد بلـَّغ بنفسه أو بغيره.
هذه المشارطة جد ضرورية، وإلا ذهب الإيمان كله ولم تبقَ منه حبة خردل؛ لحديث: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ ) (رواه مسلم) ، إلى غير ذلك مما يرى أن حياته تحتاج إلى مشارطة فيه، لكن هذه المشارطة تتحول إلى رغبات وأمان وأحلام ما لم تكن مشفوعة بمجاهدة للنفس؛ تحملها على المكارم حملاً، وتردعها عن السفاسف ردعًا.
إذاً فالمجاهدة: هي حمل النفس على أداء الواجبات، والتزام المكارم والمروءات، وترك المحرمات، والترفع عن السفاسف والمكروهات؛ قال الله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (العنكبوت:69) .
قال ابن القيم -رحمه الله-: "لا يكون العبد ربانيـًا إلا بالمجاهدة".
ولمجاهدة النفس قواعد:
1- إحياء حب الله -تعالى- في القلب حتى يكون حبه أرقى من حب النفس، والأهل، والمال، والولد، وذلك بالإكثار من النظر في الكون المنظور، والكتاب المسطور، ودوام الذكر والتلذذ بصلاة الليل، وصيام النهار.
2- إحياء الخوف من الله -تعالى- بمطالعة مصارع الظالمين ومآلات المفسدين، ويتذكر الموت وسكراته، والقبر وظلماته، والحشر وأناته، والصراط وسقطاته والنار ولهيبها، وجهنم وسعيرها.
3- قوة الإرادة والعزيمة على مواجهة النفس بـ "الخوف والرجاء"، و"الرهبة والرغبة"، واليقين أن العبد مهما كان ضعفه إذا لجأ إلى ربه واستعان به أعانه.
وعليه:
فإذا كان من طبع المسلم أو المسلمة سرعة الغضب، وبطء العودة فيجب أن يلاحظ نفسه ويتذكر أن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، فإذا انفلتت نفسه في غضبه عالجها بالصيام والقيام، وعاقبها بالحرمان.
من كان كثير الكلام بطبعه فيجب أن تأتي عليه فترات يجاهد نفسه بحسن الاستماع، وقلة الكلام، وضبط اللسان، وطول الخلوة؛ فهي تعين على الصمت إلا من ذكر الله -تعالى-، أو تفكر في آلائه.
هناك إخوة وأخوات لا يحبون القراءة، ويملون من قراءة فصل في كتاب، وهؤلاء يجب أن يجاهدوا أنفسهم بالبدء في قراءة منهجية بدلاً من القراءة العشوائية لوريقات مبعثرة! فيستكملون بعض الكتب الصغيرة، ثم يتجهون إلى الكتب الكبيرة.
وهكذا لنجعل رمضان نقطة للانطلاق والتغير؛ حتى لا نقف موقف حسرة بعد رمضان، ونردد: مضى رمضان!!