بين أحداث الأقصى ومؤتمر حوار الأديان والجامعة المختلطة
الشيخ ياسر برهامي • غير مصنف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد خرج المسلمون من رمضان بعد إقبال ظاهر على العبادة، وتعمير المساجد، ومظاهر الالتزام بالطاعات، وكل هذه مبشرات بأنواع من الخيرات عظيمة تؤكد أن كل محاولات إبعاد المسلمين عن دينهم تبوء بالفشل، وأن الإسلام قادم للظهور على العالم كما وعد الله -سبحانه وتعالى- رغم كل العقبات والعراقيل وكراهة الكارهين من الكافرين والمنافقين: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:33) ، وإن كان واجبًا علينا أن ننتبه للمخططات التي تحاك لأمتنا، ونأخذ بالأسباب المقدور عليها؛ لإنذارها من الأخطار التي تحيط بها، والمهاوي التي تحفر لها حتى تهلك فيها، فهذا واجب أهل العلم والدعوة تجاه أنفسهم، ثم تجاه أمتهم.
وما إن خرجنا من رمضان حتى استقبلتنا أحداث خطيرة تمثل فتنـًا متتابعة يراد لطائفة من المسلمين أن تقع فيها، فكان لزامًا علينا أن نحذر من مخاطر الفتن.
وأول هذه الأحداث التي نتكلم عنها:
- محاولات اليهود المتكررة والمستفزة لاقتحام المسجد الأقصى أيام أعيادهم، وممارسة شعائر دينهم الباطل وكفرهم الظاهر، مذكرين المسلمين بمخططهم في هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم مكانه، وقد حددوا له عام 2020م بعد أن تكون محاولاتهم في تهويد القدس وطرد المسلمين منها، وتقليل أعدادهم فيها وحول المسجد الأقصى قد حققت القدر المطلوب الذي يسمح بتمرير ما يريدون دون أن يتمكن أحد من الاعتراض؛ فالحكومات لا ولن تحرك ساكنـًا إلا ما قد يندر من شجب وتنديد على استحياء!
أخشى ما أخشاه أن يكون هذا هو غاية ما يفعلونه يوم يهدم اليهود المسجد الأقصى بالفعل، نسأل الله العافية وأن لا يقع ذلك أبدًا ولا نشهده!!
وأما الشعوب: فتفرغ طاقاتها في مظاهرات بائسة تضيع مطالبات الجماهير فيها أدراج الرياح بعد أن يشعر الناس أنهم قد أدوا دورهم في الجهاد -جهاد الحناجر بالطبع-، وأنهم أبرءوا ذمتهم بذلك، هذا لو سمح لهذه المظاهرات أن تنطلق أصلاً!
ومخططات اليهود في القدس بدأت منذ احتلال المدينة في 1967م، بل قبل ذلك بكثير، ولكن تم التنفيذ عمليًا من يوم سقوطها -وإنا لله وإنا إليه راجعون-.
ووالله إنه لحدث هائل عظيم عاشته الأمة يوم احتل اليهود القدس، وبالتالي سيطروا على المسجد وما حوله، وصارت كلمتهم هي النافذة فيه، يمنعون المسلمين من الصلاة فيه متى شاءوا، ويسمحون لمن أرادوا أن يدخل إليه من كبار السن والعجزة دون غيرهم، وإن لم يتجرأوا أن يهدموه يوم دخلوه، أو أن يحولوه إلى هيكلهم كما فعل النصارى يوم دخلوا القدس في الحروب الصليبية؛ فأبادوا المسلمين بها، ورفعوا الصليب على قبة الصخرة، وإنما خاف اليهود أن يستيقظ الدين داخل نفوس المسلمين، وهم إنما حققوا انتصاراتهم يوم غاب عن القلوب والمجتمعات، وحلت "القومية"، و"الاشتراكية"، و"البعثية"، وغيرها... محله من الدول والحكومات.
ونحن نقول: إن عودة الأمة إلى دينها والتزامها شرع ربها ووعيها بحقائق ما حولها ومن حولها، بل ومن فيها ممن يتكلمون بألسنتنا وهم من جلدتنا وقلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس كما وصفهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا) (متفق عليه) ، والحذر من توسيد الأمر إلى غير أهله، وتضييع الأمانة ووضع العدو مكان الولي، والولي مكان العدو كما يفعله للأسف كثير من المسلمين -حتى من المنتسبين إلى العلم والدعوة!-؛ كل هذا هو العقبات الحقيقية أمام مخططات اليهود.
إن وجود من يفهم دينه ويعمل به ويدعو إليه على بصيرة، ويثبت على ذلك، لا يخدعه النفاق ولا تزيحه عن عقيدته ومبادئه وسلوكه أنواع الترغيب والترهيب هو الذي يمنع اليهود من تنفيذ مخططاتهم.
لقد كانت الطرق مفتوحة أمام اليهود في غزة، والتفوق العسكري الهائل كان يسمح لهم باكتساحها لولا فضل الله بتضحية قلة من الأثبات، علم الأعداء أن وجودهم سيؤدي إلى خسائر لا تحتمل فكان الترجيح للانسحاب وإيقاف القتال، وليس للغوغاء أو الغثاء الذي يسعى اليهود ومن والاهم إلى أن يملأوا أرض المسلمين منهم أي أثر أو وزن في تغيير الواقع، أو تبديل الخطط والبرامج.
فليعلم المسلمون أن التزامهم الصادق، وفهمهم العميق لقضايا دينهم، وإقامتهم للإيمان والإسلام والإحسان في قلوبهم، وأسرهم، ومجتمعاتهم؛ هو مفتاح حماية المقدسات، وهو طريق النصر القادم -بإذن الله-.
وإن إدراكهم لما يريد أعداؤهم تمريره إلى مجتمعاتهم، بل إلى داخل صحوتهم المباركة ذاتها من مبادئ العلمانية من التحاكم إلى غير شرع الله -تعالى-، وعقد الولاء على غير دينه، وتمييع قضية "الفرقان" -أعني التفريق بين الحق والباطل، والإسلام والكفر-، ثم الإباحية والتحلل والإغراق في الشهوات، ثم بعد إدراكهم لما يريده الأعداء التصدي لذلك، ورفضه ومحاربته بكل طريق، هو الذي به تبرأ ذمتهم تجاه "قدسهم ومسجدهم الأقصى"؛ لأن ذلك في الحقيقة هو بداية الطريق نحو الجهاد لتحريره وإعادته للمسلمين، وهو -والله- لن يعود بغير ذلك من أوهام السلام، وأحلام الصلح مع اليهود وغيرهم.
- وجاء الحدث الثاني متواكبًا مع نفس المخطط المطلوب في تمييع قضية "الفرقان": وهو انعقاد المؤتمر الثاني لحوار الأديان في "سويسرا" بعد نحو الأسبوع، لا لدعوة الناس إلى دعوة كل الأنبياء: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل:36) ... !
لا لمجادلتهم بالتي هي أحسن ليؤمنوا بالقرآن والرسول -صلى الله عليه وسلم-... !
لا لتبيين بطلان شبهاتهم حول الإسلام، وظلمهم للمسلمين في كل مكان، ومحاولة رفع هذا الظلم عنهم... !
بل للتأكيد على القدر المشترك بين الملل!!!