شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحجاب الذي نريد

محمود عبد الحميد • المرأة والأسرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الله -سبحانه وتعالى- أمر بستر العورات؛ لما في إبدائها من الفتنة، وظهور الفواحش، وانتشار الجرائم، وقلة الحياء، وعموم الفساد، ولما في الستر من الطهر والعفة والزكاة، قال الله -تعالى-: ( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) (الأعراف:26) .

فالستر هو ما تقبله الفطرة السليمة، والشريعة الإسلامية قد أقرت أنه ليس كل جسم الإنسان يمكن أن ينظر إليه غيره، فإن هناك مناطق في الجسم لا يجوز أن يطلع عليها أحد، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني) .

وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، وعورة المرأة أمام النساء من السرة إلى الركبة، وأما أمام الرجال غير المحارم فكلها عورة، مع وجود خلاف بين أهل العلم في كون الوجه والكفين عورة أم لا.

ومما ينبغي معرفته أن مسألة ستر العورة ليست حرية شخصية، بل هي تشريع سماوي، وحكم شرعي لا يملك الفرد عدم تطبيقه، فالشريعة الإسلامية وضعت أحكامًا للستر، ولم تعطِ الأفراد حق مخالفتها، فقد نهى الله -تعالى- عن كشف العورات، فقال -عز وجل-: ( وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ) (الأحزاب:33) ، وقال -تعالى-: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (النور:30-31) ، وقد أجمع علماء الإسلام على وجوب ستر العورة عن أعين الناس.

والشرع الحنيف بتوجيهاته السديدة وإرشاداته الحكيمة صان المرأة، وحفظ شرفها وكرامتها، وتكفل بتحقيق عزها وسيادتها، وهيأ لها أسباب العيش الهنيء بعيدًا عن مواطن الريب والفتن والفساد، وهذا كله من عظيم رحمة الله بعباده حيث أنزل عليهم شريعة ناصحة لهم، ومُصْلِحة لنسائهم، ومقومة لاعوجاجهم، وتلك التدابير التي جاء بها الإسلام تعد صمام أمان للمرأة، بل للمجتمع بأسره من أن تحل به الشرور والفتن، وأن تنزل به البلايا والمحن، وإذا تركت هذه الضوابط التي جاء بها الشرع حل بالمجتمع الدمار، وتوالت عليه الشرور والأخطار.

ومن هذه الضوابط: أمر الشارع المرأة بالحجاب حتى لا تكون فتنة للرجال، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ ) (رواه مسلم) .

والحجاب حجابان:

الأول: البيت:

قال الله -تعالى-: ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ) (الأحزاب:33) ، فأمرها بالقرار في بيتها، وقوله -تعالى-: ( وَقَرْنَ ) مشعر بالاستقرار والأمن والطمأنينة، والبعد عن مواطن الريب، وأمرها أن لا تخرج من بيتها إلا لحاجة كما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "أمر الله -تعالى- نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن لحاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن، ولا يبدين إلا عينـًا واحدة".

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وفي رواية للطبراني: ( الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ، وَإِنَّهَا إِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ، وَإِنَّهَا أَقْرَبُ مَا يَكُونُ إِلَى اللَّهِ وَهِيَ فِي قَعْرِ بَيْتِهَا ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) ، ولذلك جعل الشرع صلاة المرأة في بيتها خيرًا لها من الصلاة في المسجد، ولم يوجب عليها الجمعة، ولا الجماعة، ولا الجهاد؛ لأن ذلك يتطلب منها كثرة الخروج من بيتها.

فالمرأة في خدرها أبعد من أن تُفتن وتَفتن غيرها، فإنها إذا خرجت؛ طمع فيها الشيطان فأغواها، وأغوى بها الناس -إلا من رحم الله-؛ لأنها تعاطت سببًا من أسباب تسلطه عليها، وهو: خروجها من بيتها.

الحجاب الثاني: ستر البدن:

فالمرأة لما كانت تحتاج إلى الخروج من بيتها لحاجتها؛ أمرها الله -سبحانه وتعالى- بستر جميع بدنها، فقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ ) (الأحزاب:59) ، قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "الجلباب هو: العباءة أو الملاءة التي تُضرَب على الرأس فتغطي جميع البدن".

وقال محمد بن سيرين -رحمه الله-: "سألت عبيدة السلماني عن قول الله -تعالى-: ( يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ) فغطى وجهه من فوق رأسه، وأبرز عينه اليسرى".

ومما يدل على أن المرأة كلها عورة يجب سترها عن أعين الرجال الأجانب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ ) .

الصفحة التالية