هَوِّن عليك
مصطفى دياب • مع الدعاة
حقًّا ما أحوج الدعاة والمربِّين إلى تبسيط الأمور وتيسيرها على العباد، وعدم تعقيدها واختيار الأصعب، فمدرسة (هَوِّنْ عَلَيْكَ) لم تؤسس على اختيار الأصعب؛ بل الأيسر ما لم يكن إثمًا، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ الله عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْسَى شَيْئًا) ، ثم تلا هذه الآية: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (مريم:٦٤) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) ، وعن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "مَا خُيِّرَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ" (متفق عليه) .
وهناك فرق كبير بين هذا وبين ترك الواجبات أو فعل الحرام بدافع التيسير على الخلق، كمن يأمر الناس بحلق اللحية لمصلحة الدعوة، أو يُجيز لهم التمثيل وسماع الموسيقى والأغاني، واقتناء التماثيل، أو يجيز التعامل بالربا للتيسير عليهم، أو يحرم المرأة من ارتداء النقاب؛ كل هذا بحجة التيسير على الناس!!
ولقد سمعنا من يُجيز للشباب فعل العادة السيئة بزعم انتشار الفتنة، وهذا الإطلاق كلام باطل، فلكلٍّ حالة فتواها، فالفتوى تختلف زمانًا ومكانًا وشخصًا، فلا يجوز إطلاق إباحة ما هو محرم بدعوى التيسير على الشباب، وكذلك لا يجوز التنازل عن الثوابت وقضايا المنهج الإسلامي: كقضية الولاء والبراء، وغيرها بدعوى التيسير ومواكبة العصر!
ولذا نقول: هناك فرق كبير بين تقديم التنازلات المخالفة الشرع وبين مبدأ التيسير، فمبدأ التيسير أصَّله الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فما خُيِّر بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعدَ الناس منه.
ومن حِرص الرسول -صلى الله عليه وسلم- على التيسير على العباد استجابته لموسى -عليه السلام- في رحاب الإسراء إذ فُرضت عليه خمسين صلاة، فقال له موسى: "إن قومك لا يطيقون ذلك، ارجع لربك فاسأله التخفيف، ومن حرصه كذلك -صلى الله عليه وسلم- على التيسير على العباد عدم أمرهم بما يشق عليهم، فقال: (لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ) (متفق عليه) ، تأمل المشقَّة الحادثة إذا أُمرنا بالسواك عند كل صلاة، فقد نعجز والأمر واجب وتاركه آثم.
ومن التيسير والحرص عليه حثُّه -صلى الله عليه وسلم- على إنظار المعسر، قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا كَانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ، وَمَنْ أَنْظَرَهُ بَعْدَ حِلِّهِ كَانَ لَهُ مِثْلُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
وقد اشتهرت هذه المدرسة وهذا النموذج التربوي، فتأثَّر به السلف -رضي الله عنهم-، قال الشَّعبي: "إِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ أَمْرَانِ فَإِنَّ أَيْسَرَهُمَا أَقْرَبُهُمَا إِلَى الْحَقِّ؛ لِقَوْلِهِ –تَعَالَى-: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة:١٨٥) ".
وقال إبراهيم النَّخعي: "إِذَا تَخَالَجَكَ أَمْرَانِ فَظُنَّ أَنَّ أَحَبَّهُمَا إِلَى الله أَيْسَرُهُمَا".
فمن اختار الأيسر -ما لم يكن إثمًا- كان متبعًا لسُنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن يسَّر أمور الناس يسَّر اللهُ له أموره.
إذن فنموذج التيسير في أساليب ووسائل التربية في حياتنا له ضابط عظيم حدده النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا"، ولا شك أننا نرجع لعلمائنا لتحديد الأيسر، ولا يكون ذلك باجتهاد شخصيٍّ؛ حتى لا تفسد الأمور، وتنتشر التجاوزات نتيجة الجهل بالأمر.
وما أحوج المربي اليوم لهذه الخبرة والحكمة التي يختار بها الأيسر لمن يربِّيهم، فلا يشق عليهم في حل مشاكلهم وتعويدهم على العبادة والأخذ بأيديهم، ويُحسن تربيتهم، ولا يقع بهم في الإثم، ولا يسلك بهم طريق التنازلات، فالوسائل الدعوية والتربوية قابلة للتغير زمانًا ومكانًا وشخصًا حسب المصلحة الشرعية، ولكن الثوابت الشرعية والمنهجية والعقائد غير قابلة للتغير مهما تعرضت للضغوط، وبقدر ما تتعنَّى تنال ما تتمنَّى، والحياة في سبيل الله أصعب من الموت في سبيل الله، والإخلاص عماد الأمر، ونسأل الله الإخلاص والثبات حتى الممات، والحمد لله رب العالمين.