فضل البيت الحرام (خطبة مقترحة)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحج وقفات وذكريات (1)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة:
- توالي مواسم الخيرات من خصائص هذه الأمة، فمن رمضان إلى أشهر الحج وأيامه: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) (البقرة:197) .
- أفئدة المسلمين فيها تحن إلى بيت الله: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ) (البقرة:125) .
- رحلة الهجرة للأهل، والوطن، والمال، والشهوات، قاصدين بيت الله ملبين دعوته: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج:27) ، فقاموا: لبيك اللهم لبيك...
- تحملوا المشاق والصعاب يرجون رحمة الله -تعالى-، قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: (انظُرُوا إلَى عبادي يُبَاهِي بهم الملائكةَ شُعْثا غُبْرا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمُ) (رواه البزار والطبراني وابن حبان، وحسنه الألباني) .
- ومنهم من عظمت رغبته وهمته وهان عنده المال شوقـًا إلى الغفران؛ فتكرر منه الإتيان طلبًا لرضا الرحمن: "حج الحسين بن علي -رضي الله عنه- خمسًا وعشرين مرة، وحج أبو عثمان النهدي ستين مرة... ".
قال -صلى الله عليه وسلم-: (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني) .
- وغيرهم لا يملكون الاستطاعة فكانت نواياهم هي البضاعة فأخذوا الأجر، وربما تيسر لهم السعي من حيث لا يدرون، قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) (رواه مسلم) .
- قصة الأخ الذي رزق حجًا بالنيابة من حيث لا يدري(1).
1- موقع الحج من الدين:
- الحج فريضة الله على عباده، وركن الإسلام الخامس:
قال الله -تعالى-: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) (آل عمران:97) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ) (متفق عليه) .
- الحج من أفضل الأعمال: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سُئِلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) . قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: (جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: (حَجٌّ مَبْرُورٌ) (متفق عليه) .
- الحج ولادة جديدة للإنسان: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (متفق عليه) .
- الحج المبرور ثوابه الجنة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ) (متفق عليه) .
- الحج جهاد العاجز والمرأة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) .
2- لماذا كان البيت الحرام أعظم البيوت؟؟
1- أول بيت وضع لعبادة الله:
- أعظم بقاع الأرض المساجد: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَحَبُّ الْبِلاَدِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِلاَدِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا) (رواه مسلم) ، وقال -عليه الصلاة والسلام-: (أَحَبَّ الْبِقَاعِ إِلَى اللهِ الْمَسَاجِدُ، وَأَبْغَضُ الْبِقَاعِ إِلَى اللهِ الأَسْوَاقُ) (رواه أحمد والبزار، وحسنه الألباني) .
المسجد الأول الأفضل: قال الله -تعالى-: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) (آل عمران:96) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- لما سئل: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ) . قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: (الْمَسْجِدُ الأَقْصَى) . قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ سَنَةً) (متفق عليه) .
2- بناء الملائكة والأنبياء:
- روى البيهقي في دلائل النبوة عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: "بعث الله جبريل إلى آدم فأمره ببناء البيت فبناه آدم، ثم أمره بالطواف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس" (2) .
- بناء إبراهيم وإسماعيل: قال الله -تعالى-: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة:127) .
3- اختار الله مكانه:
- كل المساجد كانت باختيار من الخلق إلا هو؛ قال الله -تعالى-: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) (الحج:26) .
- وادٍ لا يصلح للحياة يصبح أعظم بقعة على ظهر الأرض: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم:37) (3) .
وقفة:
اختبر الله عباده من الأولين والآخرين بهذه الرحلة إلى هذا المكان الوعر، الذي هو أقل بقاع الأرض أسبابًا للحياة، وسبحان الله! يعود منه المخلصون وهم أشد شوقـًا وتعلقـًا: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ) (البقرة:125) .
4- كعبة أهل الأرض:
- عن قتادة قال: ذكر لنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال يومًا لأصحابه: "هل تدرون ما البيت المعمور)؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه مسجد في السماء تحته الكعبة لو خر لخر عليها" رواه ابن جرير، وقال الألباني: إسناده مرسل صحيح .
- أهله يتشبهون بالملائكة: سئل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له: الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفـًا من الملائكة، ولا يعودون إليه".
5- فيه آيات بينات:
- قال الله -تعالى-: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران:96-97) ، "الحجر الأسود - الركن اليماني - مقام إبراهيم - زمزم - الحجر - الملتزم".
6- كل شيء فيه آمن:
- قال الله -تعالى-: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) ، وقال: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش:3-4) .
- وقال الله -تعالى-: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) (العنكبوت:67) .
- جعل له ولما حوله أحكامًا تعظم شأنه، قال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ) (متفق عليه) .
7- العبادة فيه لا مثيل لها:
- مضاعفة أجر العبادة فيه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَصَلاَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) (4) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) استثارة الشوق إلى الحج، فالنفس الطيبة إذا شوقت، اشتاقت، وعملت.
- عمير بن الحمام يوم بدر لما شوق قال: بخ بخ.
(2) وقيل: إن الملائكة هم الذين بنوه.
(3) حركة الحياة فيه صارت لا تتوقف:
أنت مسبوق على الدوام: "الطواف - الصلاة - الدخول - الجمعة - القراءة... ".
قال الله -تعالى-: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (الحج:26) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
(4) الصلاة الواحدة تعدل مدة 55 عامًا صلاة.