نعمة الهواء
أيمن عبد الرحيم • منوعات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
1- فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين:
فقد قال الله -تعالى-: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ . يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ . رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ . أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ . ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ . إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ . يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) (الدخان:10-16) .
روى البخاري ومسلم عن مسروق قال: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي كِنْدَةَ فَقَالَ: يَجِيءْ دُخَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ، يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ. فَفَزِعْنَا، فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَغَضِبَ فَجَلَسَ فَقَالَ: مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لاَ يَعْلَمُ لاَ أَعْلَمُ. فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) وَإِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَئُوا عَنِ الإِسْلاَمِ فَدَعَا عَلَيْهِمِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: (اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا، وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ وَيَرَى الرَّجُلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ) ، فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ جِئْتَ تَأْمُرُنَا بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ، فَقَرَأَ: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) إِلَى قَوْلِهِ (عَائِدُونَ) أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ عَذَابُ الآخِرَةِ إِذَا جَاءَ ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ -تَعَالَى-: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى) يَوْمَ بَدْرٍ. قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "فقد مضى خمسة: الدخان، والروم، والقمر، والبطشة، واللِّزام".
لقد أوجد الله -تعالى- الكون من حولنا شاهدًا بربوبيته، مقرًا بوحدانيته، طوع أمره، رهن مشيئته.
فلما خلق الله -تعالى- الأرض استدعى السماء وهي دخان، ومعها الأرض فحضرتا، قال الله -تعالى-: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلت:11) .
وهذا ابن مسعود -رضي الله عنه- يذكر لنا حال قريش كيف استعصت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا بالكون كله يتأثر، والهواء يتغير، فصار ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان، حتى جاء زعيم قريش -أبو سفيان- راغمًا يتوسل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو لقريش كي يرفع عنها البلاء!
ولقد كان السلف يفتشون بين الحين والحين في التغيرات التي تحدث حولهم؛ خوفـًا من أن يكون عذابًا ينزل بهم؛ عن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس -رضي الله عنهما- ذات يوم فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت. قال ابن كثير -رحمه الله-: "وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس -رضي الله عنهما-" مختصر ابن كثير "3/250" .
ولمْ نذهب بعيدًا، وهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عرف في وجهه، فقالت عائشة -رضي الله عنها-: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَى النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا. رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ؟! قَالَتْ: فَقَالَ: (يَا عَائِشَةُ مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: (هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) (متفق عليه) .
2- نعمة الهواء:
نعم الله علينا كثيرة، وآلاؤه غزيرة، وأياديه جليلة، تستدعي العقول للتأمل والانتباه، قال الله -تعالى-: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم:34) .
ومن أجلّ نعم الله على البشر نعمة الهواء الذي يحيط بنا؛ تلك النعمة التي لم يُملكها الله -تعالى- لأحد، ولم يحجزها ويمنعها أحد من الأحياء، بل ساوى بين الجميع في وجوه الانتفاع بها، فمن الذي يقدر أن يمنع عنك النفس الداخل، أو يقف ويسد عليك طريق النفس الخارج؟!
وفـَّر الخالق -جلّ وعلا- الهواء بكميات هائلة تكفي حاجة الكائنات، ويسَّر مكانه على وجه الأرض دون أن تتعب، أو تتكلف في جمعه أو نقله أو تخزينه، أو تخشى فقده أو ضياعه.
3- مشهد الطيور السارحة:
إنه مشهد رائع حقـًا، نبه الخالق عليه عندما تنظر إلى الطير المسخر بين السماء والأرض، ما يمسكه إلا الله بقدرته، فجعل الهواء يحمل الطيور، ويسر وحبب إليها الطير، لذلك فلا تقع على الأرض، قال الله -تعالى-: (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (النحل:79) ، وبدون الهواء ما كان لطائر أن يطير، فالطيور تدفع كميات الهواء اللازمة لتسبح عليها، قال الله -تعالى-: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) (الملك:19) ، ولم يقتصر الهواء على حمل الطيور فقط، بل تراه اليوم يحمل الطائرات بأثقالها كما تحمل البحار السفن.
4- من آيات الله في الهواء: