شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نعمة الهواء

أيمن عبد الرحيم • منوعات

غاير الله -تعالى- بين الهواء في هذه الدنيا فتارة يكون باردًا شديدًا، وتارة يكون حارًا لافحًا، وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا. فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ) (متفق عليه) .

- رياح الجنة:

ولم يكن عجيبًا أن تستشعر نعيم الجنة، خاصة وأنت تستنشق نسيم الأسحار وتحس ببرودة الهواء اللطيف آخر الليل.

ولم يكن عجيبًا أن يصل إلى البعض ريح الجنة في هذه الدنيا فيستنشق عبيرها، ويتنفس هواءها ويتروح بروحها وريحانها.

فهذا سعد بن معاذ يلقى أنس بن النضر يوم أُحد، فيقول له سعد: أين؟

فيقول أنس: واهًا لريح الجنة. أجده دون أحد. الجنة ورب النضر؛ فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة، ورمية، فما عرفته إلا أخته ببنانه، فكانوا يرون هذه الآية نزلت فيه، وفي أمثاله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا) (الأحزاب:23) .

- هواء المدينة يتخلص من الوباء:

وها هي مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يهاجر إليها تعرف بيثرب، أرض مليئة بالأوبئة والأمراض لا يدخلها أحد إلا أصيب بالحمى والوباء.

قدم المهاجرون إليها فأصابهم وباء الحمى، وقدم وفد العرنيين من "عكل"، و"عرينة"؛ فأصابهم الجوى، وهو مرض يصيب الجوف والصدر، وظهر عليهم هزال شديد، وجهد من الجوع حتى اصفرت ألوانهم، وعظمت بطونهم، فأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يشربوا من ألبان الإبل وأبوالها حتى صحوا، ورجعت إليهم ألوانهم.

ولما كانت المدينة مهاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن من السهل على الهواء أن يوالي عليها الأمراض والأوبئة، نظرًا لمكانتها وجلال ساكنها -صلى الله عليه وسلم-، ولكنه جند مأمور من قبل الله -تعالى-، فدعا النبي -صلى الله عليه وسلم- ربه حتى ارتفع الوباء.

روى البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت:

لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلاَلٌ -قَالَتْ-: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلاَلُ، كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَتْ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ:

كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ

وَكَانَ بِلاَلٌ إِذَا أَقْلَعَ عَنْهُ الْحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ وَيَقُولُ:

أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِـوَادٍ وَحـَوْلِي إِذْخـِرٌ وَجَـلِيـلُ

وَهَـلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مـِيَاهَ مَجَنـَّةٍ وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَخْبَرْتُهُ؛ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ) (متفق عليه) .

8- الهواء من جند الله:

الهواء جند من جنود الله -تعالى-، يسعى في مرضاة ربه، ويسعد بتحقيق العبودية له.

وكما ينقل عبر طبقاته رياح الجنة إلى المؤمنين، كذلك ينقل عقاب الله -تعالى- وسخطه على القوم الكافرين، وينزل بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، فيرد عدوان المعتدين، ويأخذ على أيدي الظالمين، ويسوق المتكبرين إلى الهلاك والردى، وما ربك بظلام للعبيد؛ فتلك "عاد" عصت أمر ربها، وكفرت برسله فماذا فعل بهم الهواء؟!

قال الله -تعالى-: (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ . مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) (الذاريات:41-42) .

وقال -تعالى-: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ . سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ . فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ) (الحاقة:6-8) .

وهذه قريش تستعصي على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتصر على كفرها فيرسل عليها الدخان كما سبق أن ذكرنا يملأ ما بين السماء والأرض.

وفي مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغتاب جماعة من المنافقين أناسًا من المسلمين، ويأتي دور الهواء فيبعث بريح منتنة، تظهر وتبين للمؤمنين؛ عن جابر -رضي الله عنه- قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَارْتَفَعَتْ رِيحُ جِيفَةٍ مُنْتِنَةٍ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ الرِّيحُ هَذِهِ رِيحُ الَّذِينَ يَغْتَابُونَ الْمُؤْمِنِينَ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) ، وكان الجو وقتها صافيًا من الغيبة والكلام في الأعراض، فظهرت لهم تلك الريح، وأما نحن في هذه الأيام التي كثرت فيها الغيبة، فامتلأت الأنوف منها، فلم تعد تظهر لنا رائحتها.

ونحن في زماننا هذا وقد كثرت المنكرات وعمت الفواحش، وساءت الأخلاق، وكثر الزنا، والربا، والقتل وسفك الدماء، وانتهاك الأعراض؛ فإذا بالهواء يحمل الوباء، ويختل الميزان الدقيق، ويخرج علينا يومًا بعد يوم بلاء جديد، كما قال الله -تعالى-: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41) .

9- الخاتمة:

الصفحة السابقة الصفحة التالية