شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح مكة وعاقبة المتقين

أحمد الفيشاوي • السيرة والتاريخ

فلم يبقَ من سبب لذلك إلا مجاورتهم لبيت الله الحرام، وقيامهم به، فإذا انتزع الله -عز وجل- منهم ذلك الأمن والرزق، وألبسهم لباس الجوع والخوف، وسلط عليهم وعلى بلدتهم قومًا آخرين؛ فلن يكون ذلك إلا لفضل هؤلاء القوم وصدقهم وبرهم، وظلم قريش وطغيانهم، قال -تعالى- في شأنهم: ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ . وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ) (النحل:112-113) ، وقال -تعالى-: ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ) (محمد:10) ، ثم قال الله -تعالى- بعد ذلك: ( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ ) (محمد:13) .

ولذلك لما وقعت غزوة "بدر" وانتصر المسلمون فيها على قريش نصرًا مؤزرًا، وكسروا شوكتهم، ونكسوا رايتهم، وقتلوا صناديدهم وأئمتهم رغم قلة عددهم وعدتهم، وعدم تهيئتهم للغزو والحرب كان نصرهم ذلك آية بينة، وحجة باهرة على صدق النبي -صلى الله عليه وسلم- وتأييد الله له، وإيذانـًا بزوال المشركين عن بلد الله الحرام حتى أثر ذلك في نفوس مشركي العرب أيما تأثير، وكان من تتمة ذلك أن يظهر عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في بلدهم وعقر دارهم، في بلد الله الحرام التي طالما نعموا برعاية الله لهم بسببها، فلو كان محمد -صلى الله عليه وسلم- متنبأ كاذبًا لكان هو وجنده شرًا من أبرهة وجنده، ولكانت عاقبتهم أسوأ من عاقبة أصحاب الفيل؛ فلما دخل -صلى الله عليه وسلم- عزيزًا آمنًا منتصرًا على قريش، كان هذا آية عظيمة في قلوب كثير من الناس -لا سيما العرب- على صدقه ونبوته، ودخل الناس حينئذٍ في دين الله أفواجًا بفضل الله -تبارك وتعالى-.

روى البخاري عن عمرو بن سلمة: "وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ -أي تنتظر- بِإِسْلاَمِهِمِ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهْوَ نَبِيُّ صَادِقٌ. فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلاَمِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلاَمِهِمْ".

وأشار النبي -صلى الله عليه وسلم- لنحو ذلك بقوله: (إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ) (متفق عليه) .

فمن عرف قصة إبراهيم -عليه السلام- وفضل مكة، وقصة أصحاب الفيل، وعرف فضل قريش وعزتها ومنعتها؛ بان له كيف كان فتح مكة آية للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وعاقبة من أحسن وأعجب العواقب.

فالحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الصفحة السابقة