من آداب العالم في نفسه
محمد سمير • آداب طالب العلم
وينبغي له إذا تلا القرآن أن يتفكر في معانيه، وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، والوقوف عند حدوده، وليحذر من نسيانه بعد حفظه؛ فقد ورد في الأخبار النبوية ما يزجر عن ذلك، والأولى أن يكون له منه في كل يوم ورد راتب لا يخل به، فإن غلب عليه فيوم ويوم، فإن عجز ففي ليلتي: الثلاثاء، والجمعة؛ لاعتياد بطالة الأشغال فيهما، وقراءة القرآن في كل سبعة أيام وردٌ حسن ورد في الحديث، ويقال: من قرأ القرآن في كل سبعة أيام لم ينسه.
ثامنًا: العمل بالعلم:
قال الماوردي -رحمه الله-: "وليكن من شيمته العمل بعلمه، وحث الناس على أن تأتمر بما يأمر به، ولا يكن ممن قال الله -تعالى- فيهم: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) (الجمعة:5) .
قال قتادة في قوله -تعالى-: (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ) (يوسف:68) : "يعني أنه عامل بما علم".
وروى عبد الله بن وهب عن سفيان: أن الخضر -على نبينا وعليه السلامـ قال لموسى -عليه السلام-: "يا ابن عمران تعلَّم العلم لتعمل به، ولا تتعلمه لتحدث به فيكون عليك بوره، ولغيرك نوره".
وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من عَلِم بما علم".
وقال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: "أخوف ما أخاف إذا وقفت بين يدي الله أن يقول: قد علمت فماذا عملت إذ علمت".
وقال بعض السلف: "العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل".
قال: ثم ليتجنب أن يقول ما لا يفعل، وأن يأمر بما لا يأتمر به، وأن يسرَّ غير ما يظهر، ولا يجعل قول الشاعر هذا:
اعمل بقولي وإن قصرتُ في عملي ينفعك قولي ولا يضرك تقصيري
عذرًا له في تقصيره، وإن لم يضر غيره، فإن إعذار النفس يغريها، ويحسن لها مساوئها، فإن من قال ما لا يفعل فقد مَكَر، ومن أمر بما لا يأتمر فقد خدع، ومن أسرَّ غير ما يظهر فقد نافق، وربما بتركه ما أمر به تسبب في إغراء المأمور بترك ما أمر به عنادًا، وارتكاب ما نهي عنه كيادًا.
قال ابن عبد البر -رحمه الله-: "أخبرنا محمد بن إبراهيم... ثم ساق بسنده عن ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إني لأحسب أن الرجل ينسى العلم قد علمه بالذنب يعمله".
يــا أيـــهــا الرجــل الـمعـلم غــيــره هـلا لنـفسك كان ذا التعـليم
تصف الدواء لذي السقام من الضنا كـيـما يصح به وأنت سقيم
ابــــدأ بـنـفـسـك فـانـهـها عـن غيها فإن انتهت عنه فأنت حكيم
فـهـنـاك يـُقـبـل مـا تـقـول ويـُقـتـدى بالعـلم مـنك ويـنفع التعليم
لا تـنـه عـن خــلــق وتـأتــي مـثـلـه عار عليك إذا فعلت عـظيـم
تاسعًا: التحلي بمكارم الأخلاق:
وعلى العالم أن يلتزم بمعاملة الناس بمكارم الأخلاق: من طلاقة الوجه، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، وكظم الغيظ، وكف الأذى عن الناس واحتماله منهم، والإيثار، وترك الاستئثار، والإنصاف، وترك الاستنصاف، وشكر التفضل، وإيجاد الراحة، والسعي في قضاء الحاجات، وبذل الجاه في الشفاعات، والتلطف بالفقراء، والتحبب إلى الجيران والأقرباء، والرفق بالطلبة، وإعانتهم وبرهم، وإذا رأى من لا يقيم صلاته، أو طهارته، أو شيئًا من الواجبات عليه أرشده بتلطف ورفق؛ كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع الأعرابي الذي بال في المسجد، ومع معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة.