ثبات العلماء الربانيين في الفتن والمحن
الشيخ علاء بكر • مع الدعاة
قال: فقلت: أيها الأمير: سمعت يحيي بن سعيد الأنصاري يقول: سمعت محمد بن إبراهيم التيمي يقول: سمعت علقمة بن وقاص يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) (متفق عليه) قال: فنكت بالخيزرانة أشد مما كان ينكت، وجعل من حوله يقبضون أيديهم على قبضات سيوفهم، ثم قال: يا أوزاعي ما تقول في دماء بني أمية؟ فقلت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ) (رواه مسلم) .
فنكت بها أشد من ذلك، ثم قال: ما تقول في أموالهم؟ فقلت: إن كانت في أيديهم حرامًا فهي حرام عليك أيضًا، وإن كانت حلالاً فلا تحل لك إلا بطريق شرعي. فنكت أشد مما كان ينكت قبل ذلك، ثم قال: ألا نوليك القضاء؟
فقلت: إن أسلافك لم يكونوا يشقون علي في ذلك، وإني أحب أن يتم ما ابتدءوني به من الإحسان.
فقال: كأنك تحب الانصراف؟
فقلت: إني ورائي حرمًا وهم محتاجون إلى القيام عليهن، وسترهن. وقلوبهم مشغولة بسببي.
قال: وانتظرت رأسي أن يسقط بين يدي، فأمرني بالانصراف، فلما انصرفت. إذا برسوله من ورائي، وإذا معه مائة دينار قال: فتصدقت بها، وإنما أخذتها خوفًـًا. قال: وكان في تلك الأيام الثلاثة صائمًا فيقال: إن الأمير لما بلغه ذلك عرض الفطر عنده فأبى يفطر عنده.
قال الإمام "الذهبي" -رحمه الله- في سير أعلام النبلاء: "قد كان عبد الله بن علي ملكًا جبارًا سفاكًا للدماء، صعب المراسي، ومع هذا فالإمام الأوزاعي يصدعه بمر الحق كما ترى، لا كخـَلـْق من علماء السوء الذين يُحَسِّنون للأمراء ما يقتحمون من الظلم والعَسْف، ويقلبون لهم الباطل حقـًا -قاتلهم الله-، أو يسكتون مع القدرة على بيان الحق".
ومن الجرأة في قول الحق ما قال به "العز بن عبد السلام" الملقب بسلطان العلماء -رحمه الله- مع الظاهر "بيبرس"، ومع الملك الصالح: إذ لما أراد الظاهر بيبرس أن يستلم السلطة استدعى الأمراء والعلماء؛ لمبايعته، ففاجأه الشيخ العز بن عبد السلام بقوله: "أنا أعرفك مملوك البندقار"، يريد أنه كمملوك لا يصلح لتولي الحكم، والمبايعة له بذلك، فأحضر ببيبرس من يثبت أن البندقار قد وهبه للصالح أيوب، وأن الصالح أيوب قد أعتقه، فعندئذٍ بايعه الشيخ العز على الملك.
أما الملك الصالح "إسماعيل": فقد تحالف مع الصليبيين، فأنكر عليه الشيخ العز بن عبد السلام؛ فعزله الملك الصالح عن الإفتاء والخطابة، وأمر باعتقاله وحبسه، فلم يتراجع؛ رغم كل محاولات الملك بعد ذلك أن يساومه على ترك موقفه مقابل إعادته لمناصبه التي عزله عنها.
ومن ذلك أيضا: موقف الإمام "النووي" -رحمه الله- مع الظاهر بيبرس، لما أراد قتال التتار بالشام، واحتاج إلى جمع الأموال لذلك، فأخذ الفتاوى من العلماء بجواز الأخذ من مال الرعية يستنصر به على قتال التتار، وأجاز له الفقهاء ذلك، وامتنع الشيخ النووي. فلما سأله عن سبب امتناعه قال له:
"أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير "بندقار" وليس لك مال، ثم منَّ الله عليك، وجعلك ملكًا، وسمعت أن عندك ألف مملوك، كل مملوك له حياصة من الذهب، وعندك مائة جارية، لكل جارية حق من الذهب، فإذا أنفقت ذلك كله، وبقيت مماليكك بالبنود والصرف بدلاً من الحوائص، وبقيت الجواري بثيابهن دون الحلي؛ أفتيتك بأخذ المال من الرعية".
فغضب الظاهر "بيبرس"، وأمره بالخروج من دمشق، فخرج متوجهًا إلى "نوى"، فقال الفقهاء لبيبرس: "إن هذا من كبار علمائنا وصلحائنا، وممن يُقتدى به، فأعده إلى دمشق".
فدعاه للرجوع إلى دمشق، فامتنع الإمام النووي، وقال: لا أدخلها "والظاهر" فيها، فمات بعد شهر.
وبعد: فهذه قطرات من غيث، وفي تاريخنا الإسلامي العشرات، والعشرات مثلها... وحق علينا أن نتذاكرها؛ لنتأسى بها، ونتنفع بذكراها، ولله الحمد من قبل ومن بعد.
وصلى الله على محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.