أسباب هلاك الأمم
الشيخ أحمد فريد • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد جرت سنة الله -عز وجل- في عباده أن يعاملهم بحسب أعمالهم، فإذا اتقى الناسُ ربَّهم -عز وجل- الذي خلقهم ورزقهم؛ أنزل الله -عز وجل- عليهم البركات من السماء، وأخرج لهم الخيرات من الأرض؛ قال الله -تعالى-: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ) (الأعراف:96) ، وقال الله -تعالى-: ( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ) (الجن:16) .
وإذا تمرَّد العباد على شرع الله، وفسقوا عن أمره؛ أتاهم العذاب والنكال من الكبير المتعال، فمهما كان العباد مطيعين لله -عز وجل- معظمين لشرعه؛ أغدق الله -عز وجل- عليهم النعم، وأزاح عنهم النقم، فإذا تبدَّل حال العباد من الطاعة إلى المعصية، ومن الشكر إلى الكفر؛ حلت بهم النقم، وزالت عنهم النعم؛ قال الله -تعالى-: ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) (النحل:112) .
فكُلُّ ما يحصل للعباد من إحن ومحن فبما كسبت أيديهم، ويعفو عن كثير، كما قال الله -تعالى-: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) (الشورى:30) ، وقال الله -تعالى-: ( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ) (الروم:36) .
فالله -عز وجل- لا يبدِّل حال العباد من النعمة إلى النقمة، ومن الرخاء إلى الضنك والشقاء حتى يغيروا ما بأنفسهم من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى الفسق، قال الله -تعالى-: ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (الأنفال:53) .
فما هي الأسباب التي يتنزَّل بها عذاب الله؟ وما هي سنة الله -عز وجل- في القوم المجرمين؟ وبتعبير آخر: ما هي أسباب هلاك الأمم؟
1- أول هذه الأسباب: الكفر بالملِك الوهاب، وتكذيب الرسل الكرام -عليهم الصلاة والسلام-، فقد أهلك الله -عز وجل- الأمم السابقة: قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وقرونـًا بين ذلك كثيرًا؛ بسبب كفرهم بالله -عز وجل-، وتكذيبهم لرسله؛ قال الله -تعالى-: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا . فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا . وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا . وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا . وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا . وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ) (الفرقان:35-40) ، وقال -تعالى-: ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ . وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ . وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ) (ق:12-14) .
2- ومن أسباب هلاك الأمم: كثرة الفساد وكثرة الخبث: قال الله -تعالى-: ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) (الإسراء:16) .
قال الشنقيطي -رحمه الله-: "الصواب الذي يشهد له القرآن وعليه جمهور العلماء أن الأمر في قوله: ( أَمَرْنَا ) هو الأمر الذي هو ضد النهي، وأن متعلق الأمر محذوف لظهوره، والمعنى: ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله واتباعهم فيما جاءوا به، ( فَفَسَقُوا ) أي: خرجوا عن طاعة أمر ربهم وعصوه، وكذبوا رسله: ( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ) أي: وجب عليها الوعيد ( فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) أي: أهلكناها إهلاكًا مستأصلاً، وأكد فعل التدمير بمصدره؛ للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم".
ثم قال -رحمه الله-: "فإن قال قائل: إن الله أسند الفسق فيها لخصوص المترفين دون غيرهم في قوله: ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا )، مع أنه ذكر عموم الهلاك للجميع المترفين وغيرهم في قوله: ( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) يعني: القرية، ولم يستثنِ منها غير المترفين.
والجواب من وجهين:
الأول: أن غير المترفين تبع لهم، وإنما خص بالذكر المترفين الذين هم سادتهم وكبراؤهم؛ لأن غيرهم تبع لهم كما قال الله -تعالى-: ( وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا ) (الأحزاب:67) ، وقال الله -تعالى-: ( وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ) (إبراهيم:21) ، إلى غير ذلك من الآيات.
الثاني: أن بعضهم إن عصى الله وبغى وطغى، ولم ينههم الآخرون؛ فإن الهلاك يعم الجميع، كما قال الله -تعالى-: ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الأنفال:25) .