شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

سنن الله -عز وجل- في عباده

الشيخ أحمد فريد • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ . ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ . أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ . أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) (الأعراف:94-99) .

من رحمة بعباده أن ينوِّع لهم أسباب الهداية، فيبتليهم الله -عز وجل- بالضرَّاء لعلهم يلجئون إلى الله -عز وجل-، ويتركون معصية الله -عز وجل-، ثم يبتليهم بالسراء لعلهم يشكرون، فإذا كان العباد لا خير فيهم: إذا ابتلاهم بالضراء لا يتضرعون، وإذا ابتلاهم بالسراء لا يشكرون؛ عند ذلك لا يستحقون إلا أن ينزل عليهم بأس الله -عز وجل- وعذابه الذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين.

قال الله -تعالى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ . ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ ) (الأعراف:94)، وقال الله -تعالى-: ( وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الأعراف:168) ، فالله -عز وجل- يبدِّل أحوال الناس من الشدة والبؤس إلى الرخاء والنعمة، والغالب على الناس أنهم لا يعتبرون ولا يتَّعظون.

قال الله -تعالى-: ( ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا )، أي: حتى كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، ( وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ) أي: هذه عادة الدنيا، وهذا فعل الدهر: يوم لك ويوم عليك، ولا ارتباط بين ذلك وبين الطاعة والمعصية، فغفلوا عن آيات الله -تعالى-، ولم يتعظوا بمواعظه، ( فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ).

ثم قال الله -تعالى-: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ).

فإذا اتقى الناس ربهم -عز وجل- الذي خلقهم ورزقهم؛ أنزل الله -عز وجل- عليهم البركات من السماء، وأخرج لهم الخيرات من الأرض، وقد قال الله -تعالى-: ( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ) (الجن:16) .

ثم قال الله -تعالى-: ( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى ) أي: المُهلَكة المذكورة آنفـًا ( أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ) أي: عذابنا ( بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ) أي: حال كمال الغفلة، ( أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) أي: يخوضون في الباطل، ويلهون ويلعبون، وهذا حال أهل الترف والباطل والغفلة: إما أنهم نائمون كالجيفة، وإما أنهم يلهون ويلعبون، فليس في حياتهم خير لأنفسهم ولا لغيرهم، فهم لا يعرفون ربهم -عز وجل-، ولا يعبدونه بأمره ونهيه.

( أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ )، والأمن من مكر الله -تعالى- كبيرة عند الشافعية، وهو الاسترسال في المعاصي اتكالاً على عفو الله، وقالت الحنفية: إنه كفر كاليأس؛ لقوله -تعالى-: ( إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (يوسف:87) ، ( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ).

فجهل الناس بسنن الله -عز وجل- في عباده جعلهم يتجرؤون على معصية الله -عز وجل-، ولا يعتبرون بآياته، ولا يتعظون بمواعظه.

فما هي سنن الله -عز وجل- في عباده؟

فمن سنن الله -عز وجل- في عباده ألا يعذبهم حتى يقيم عليهم الحجة الرسالية: كما قال الله -تعالى-: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ) (الإسراء:15) ، وقال -تعالى-: ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ) (فاطر:24) ، وقال -تعالى-: ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (النساء:165) ، وقال -تعالى-: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ . قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ) (الملك:8-9) ، فالله -عز وجل- قطع حُجَّة المعذبين بإرسال الرسل؛ فلا يعذِّب أحدًا في الدنيا والآخرة إلا بعد إرسال الرسل، ويقول -عز وجل-: ( ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ) (الأنعام:131) .

ومن سنته -عز وجل- في عباده ألا يهلك إلا القوم الظالمين والمجرمين والمنحرفين: قال الله -تعالى-: ( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ) (الأنعام:47) ، وقال الله -تعالى-: ( وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) (الأنعام:147) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ) (السجدة:22) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ) (القصص:59) .

ومن سنته أنه لا يهلك قومًا صالحين: كما قال -تعالى-: ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) (هود:117) .

الصفحة التالية