شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أسئلة متعلقة بالإشهاد على النكاح

الشيخ ياسر برهامي • الزواج والطلاق

السؤال:

فضيلة الشيخ: استمعت لشروحاتكم لكتاب النكاح من عدة كتب، ومع ذلك أجدني أحتاج إلى تحرير بعض المسائل المتعلقة بفقه الباب، فأرجو سعة الصدر وذاك الظن بكم.

1- ذكرتم أن الإشهاد شرط في صحة الزواج بينما الإعلان واجب، ولكن هل يجب أن يكون الإعلان مصاحبا لعقد النكاح؟ أم يجوز إجراء العقد وإتمامه ثم الإعلان في اليوم التالي أو بعد مدة زمنية مثلا؟ وما حال من يتزوج في الشهر العقاري مثلا، ولا يتوافر ضيوف مثلا أو نحوهم ليحصل الإعلان المطلوب؟ ولماذا لا يجزئ الإعلان عن الإشهاد رغم أنه أبلغ منه في حصول المطلوب؟

2- هل يصح الزواج بالإمضاء من الزوج على قسيمة الزواج ويكون هذا قبولا لإيجاب الولي؟ ولمْ صح في الطلاق فقط أن يكون كتابة -رغم القدرة على النطق بالطلاق- ولم يصح في الزواج الكتابة؟

3- ما المقصود بالإشهاد على النكاح: هل المقصود أن يقول كل شاهد: أشهد بكذا... وكذا.. أم يكفي أن يكون ناظرا إلى الولي والزوج، رغم أنه قد يكون ناظرا وهو غير منتبه لصيغة العقد فهل هذا شاهد بهذا الحال أم لابد أن يتكلم ويقول أشهد بأن كذا... وكذا... ؟

4- ما حكم عمل المأذونين الذين يملأون استمارة قسيمة الزواج ويمضون الشهود بأسمائهم وأرقام بطاقاتهم ثم بعد ذلك يشهرون العقد، وقد لا يحضر الشاهد أصلا صيغة العقد وينصرف باعتبار أنه شهد بإمضائه أو لا يكون منتبها فهل هذه شهادة صحيحة؟

5- فضيلتكم تأخذون بتصحيح حديث: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)، وأنا ما زلت في بداية الطلب ولم أقطع شوطا طويلا في علم الحديث، فأنا مقلد بطبيعة الحال، إلا أنني أجد نفسي مدفوعا إلى تقليد من يقول بضعف الحديث كالعلامة: ابن عثيمين مثلا أو شيخ الإسلام ابن تيمية من قبله، وهو يضعف الحديث ولا يرى شرطية الإشهاد لصحة النكاح. وتعليل هؤلاء العلماء أن هذا يتفق مع أصول الشريعة من الرفق والتيسير وحصول مصالح العباد خصوصا مع ما نراه من تفشي الانحلال ومع الالتزام فضلا عن صعوبة حصول العدالة الشرعية حتى ما يقولونه من أن المعتبر هو العدالة الظاهرة فإن هذا أيضا غير متيسر وأنا لا أبالغ فأنا مثلا أعلم عن إخواني في المسجد أنهم لا يواظبون على صلاة الفجر وينامون عنها عمدا وأنا آسف لهذا الكلام، لكن هذا واقع فحتى أنا والإخوة ممن نشارك في الدعوة نعترف بهذا التقصير وعدم توافر حتى العدالة الظاهرة فينا، فلذلك بحثت في المسألة حتى عثرت على قول أحد الناس يقول: "إن العدالة في الشهود اشترطت لحفظ الحقوق ومثل ذلك... فالآن لا حرج في ذلك ولا تشترط العدالة في الشهود وهو مذهب الأحناف؛ لأن العقود توثق فهذا أبلغ في تحصيل ما يهدف إليه الحديث من أمر الشهود وعدالتهم وهذا روح النص فلا داعي للجمود على الظاهر والشهود أصلا قد لا يكونون معروفون بين الناس، بل ولا يعرفهم الزوج ولا ولي الزوجة فكيف يأتي بهم عند التخاصم فالتوثيق يغني عن ذلك كله فوجدت أن هذا كلاما متينا طيبا والله أعلم، خصوصا وأن هذا ليس من باب الاجتهاد مع النص والله أعلم إذ أن النص غير متفق على ثبوته أصلا، فما قول فضيلتكم في هذا الكلام وهل هذا القول من الخلاف السائغ عند فضيلتكم؟

6- هل يصح حمل العدالة في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وشاهدي عدل) على العدالة في أمر النكاح فقط دون العدالة العامة، كما فعلنا أو قلنا ذلك في عدالة الولي، فقلنا مرشد في باب النكاح فنقول: إن الواجب في الشهود أن يكون عندهم عدالة فيما يتعلق بأمور العفاف ونحوه؟

7- إذا لم أكن عدلا: هل يجوز لي أن أشهد على عقد النكاح؟ وما العمل أو ما يلزم إذا شهدت؟ وماذا يكون حكم الزواج إذا قال الشاهد عن نفسه بعد الشهادة إنه فاسق؟ هل يصح أن أنوي التوبة في الحال وأكون عدلا بذلك وأشهد؟ هل يصح أن ألزم الشهود بالتوبة ليكونوا عدولا؟ وهل يصح أن يشترط الزوج على حماه مثلا ولي المرأة الزوجة أن يتولى هو إحضار الشهود العدول، لدفع الحرج الذي هو عند الزوج أم أن هذا هروبا؟

8- فضيلتكم تحضرون وتعقدون عقود الزواج في المساجد رغم أن ظاهر الحال عدم سلامة أمر العدالة في الشهود أليس هذا هو الواقع مع أن أغلب الشهود ليسوا عدولا والعبرة بالأغلب فكيف هذا؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالإعلان في الزواج واجب؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَعْلِنُوا النِّكَاحَ ) (رواه أحمد وابن حبان، وحسنه الألباني) ، والإشهاد شرط في صحته؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ ) (رواه البيهقي والطبراني، وصححه الألباني) ، ويجزئ أن يكون الإعلان بعد الزواج بيوم أو نحوه طالما تم بالشهود.

2- الزواج عقد شكلي أي: لابد فيه من صيغة قولية مع القدرة، ولا يكفي التوقيع الكتابي عن التلفظ، والكتابة لابد فيها من نية مع الكتابة، والنية لا يمكن الإشهاد عليها، أما الطلاق فلا يشترط فيه الإشهاد، بل هو واجب على الصحيح، والجمهور على الاستحباب؛ فهناك فرق بين الزواج والطلاق.

3- المقصود بالشهادة على الزواج سماع الشاهدين لكل من الولي والزوج بالإيجاب والقبول، ولا يلزم أن يتلفظ بقوله: أشهد.

4- إذا سمع صيغة العقد شهود غير الموقعين على العقد صح العقد، وأما أن الموقع على العقد إذا لم يسمع الصيغة شهادته صحيحة فلا.

5- طالما أنك مقلد فأظن أن تقليدك للشيخ الألباني -رحمه الله- في تصحيح الحديث أولى من تقليدك للشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- حيث إن فضيلة الشيخ العثيمين قد أقر للشيخ الألباني بالتقدم في علم الحديث وهذا مما لا نشك فيه، وإن كان العثيمين -رحمه الله- أكثر تقدمًا منه في الفقه، ثم إن الشيخ الألباني قد جمع طرق الحديث وشواهده مما لعله لم يتيسر لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمهم الله جميعًا-.

أما أن هذا يتمشى مع أصول الشريعة والتيسير على الناس فليس كذلك؛ فالقرآن قد أمر بالإشهاد على عقد البيع الذي هو دون عقد النكاح، والمحافظة على الأبضاع وكيان الأسرة أعظم في الشريعة من المحافظة على الأموال؛ فلا بُعْد في أن يكون الأمر بالإشهاد على الزواج على سبيل الشرطية التي دل عليها حديث: ( لا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ )، بل إن هذا هو الذي يتناسب مع مقاصد الشريعة وتعظيم أمر الأبضاع وتكوين الأسرة المسلمة.

وأما من جهة صعوبة الحصول على العدالة فليس كما ذكرت؛ فإن رواد المساجد يبعد أن لا يوجد فيهم عدول، والناس اليوم -بفضل الله- قد تعلموا وجوب الصلاة في وقتها، وكثيرون يؤدونها في المسجد، وظنك أنهم ينامون في الفجر عمدًا سوء ظن، بل يلزمك أن تظن بهم أنهم لا يتعمدون ذلك حتى تعلمه من تصريحهم، ولا أظنك قد صرحوا لك بذلك.

وأما ما ذكرته من التوثيق بديلاً عن الشهود فكلام فاسد تركتَ به السنة زعمًا أن الالتزام بها جمود على النص تنفيرًا من ذلك، ونحن والله نرى أن الالتزام بالنص وإن سميته جمودًا خيرًا من تركه لقول قائل لم يحط علمًا بحكمة التشريع الإسلامي من تعظيم قدر الزواج، وأمر الأبضاع.

6- العدالة المشترطة في الشهادة على النكاح هي ترك المحرمات وفعل الواجبات، والمطلوب من ذلك أن يكون مستورًا لا يعرف عنه فسق ظاهر.

7- من تاب إلى الله -سبحانه- من فسقه توبة صحيحة زال عنه اسم الفسق؛ لقوله -تعالى-: ( إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (آل عمران:89) ، وهنا تصح شهادته، وأظنك عندك شيء من الوسوسة في هذا الباب.

ومن بركة عقد النكاح في المساجد أن يشهد عليه جمع غفير من المسلمين الذين لا يخلو أن يكون فيهم عدول.

8- لا يلزم أن يكون كل مذنب فاسقـًا ليس عدلاً، بل الفاسق هو المرتكب لكبيرة المصر على صغيرة، والحمد لله ما نحضره من عقود عامة الإخوة الحاضرين الشاهدين لهذه العقود ليسوا كذلك أو لا نعلم عنهم ذلك.