وقفات مع آيات
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
فهل أوضح من هذا بيانـًا في أن تحكيم الكتاب في كل مواطن النزاع هو الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتاب عليهم؟! وإذا أتيتَ أولئك بقول عالم قالوا: قد رجع عن فتواه! أفكان هؤلاء العلماء الذين يجلهم الجميع خوارجَ في يوم من الأيام ثم رجعوا عن فكر الخوارج؟!
ولماذا لم يبينوا للناس أنهم كانوا خوارجَ ثم تابوا؟! كما قال مَن قال مِن السلف أنه كان شَغَفَه رأيُ الخوارج حتى سمع الصحابةَ -رضي الله عنهم- يرددون أحاديث الشفاعة؛ فعن يَزيدَ الفقيرِ قال: كنتُ قد شَغَفَنِي رأيٌ مِن رأي الخوارج؛ فخرجنا في عصابة ذَوي عَدَدٍ نريد أن نحُجَّ ثم نَخرُجَ على الناس. قال: فمررنا على المدينة فإذا جابرُ بنُ عبد الله يُحَدِّثُ القومَ جالسٌ إلى سارية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فإذا هو قد ذَكَرَ الجَهَنَّمِيِّينَ. قال: فقلتُ له: يا صاحبَ رسول الله، ما هذا الذي تُحَدِّثُون واللهُ يقول:( إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ) و( كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا ) فما هذا الذي تقولون؟! قال: فقال: أَتقرأُ القرآنَ؟ قلت: نعم. قال: فهل سمعتَ بمَقَام محمدٍ -عليه السلام- يعني الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم. قال: فإنه مَقَامُ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- المحمودُ الذي يُخرِج اللهُ به مَن يُخرِج. قال: ثم نَعَتَ وَضْعَ الصراط ومَرَّ الناس عليه. قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك. قال: غيرَ أنه قد زعم أن قومًا يَخرُجون مِن النار بعدَ أن يكونوا فيها. قال: يعني فيَخرُجون كأنهم عِيدَانُ السَّمَاسِمِ. قال: فيَدخُلون نَهَرًا مِن أنهار الجنة؛ فيَغتسِلون فيه؛ فيَخرُجون كأنهم القَرَاطِيسُ. فَرَجَعْنَا قلنا: وَيْحَكُمْ! أَتَرَوْنَ الشيخَ يَكذِب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟! فرجعنا، فلا والله ما خرج منا غيرُ رجل واحد. (رواه مسلم) .
والحقيقة أن هؤلاء لو صدقوا مع الله وتدبروا كتابه لَمَا صدرت منهم مثلُ هذه الافتراءات على شرع الله -تعالى- وعلى أهل العلم.
وأتعجب ممن يسمع أو يقرأ أو يحفظ قول الله -تعالى-: ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا . تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا . وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا . إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا . لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ) (مريم:88-95) ثم هو يعتذر عمن دافع عن الإسلام في وجه التنصير المُعلَن وبَيَّنَ حقيقةَ الوثنية في اعتقاد ألوهية المسيح -عليه السلام- وبنوتِه لله -سبحانه- وقولِهم: "إله حق مِن إله حق، مولود من أبيه قبل كل الدهور، مساوٍ لأبيه في الجوهر، تجسَّد ووُلد من مريم العذراء، وصُلِبَ من أجلنا"!! بل يزداد الأمر حتى يقول قائلهم -وهو على رأس مؤسسة كبرى-: إنهم يحترمون العقيدة المسيحية -التي هذه نصوصها كما قرأتَ عاليه-! بل ويؤمنون بها إيمانـًا شديدًا!! فهل بعد هذا "الإيمان" بهذه "العقيدة" مِن إيمان بالله -سبحانه- ورسولِه -صلى الله عليه وسلم- وكتابِه؟!!
فنحن في حاجة عظيمة إلى تغيير سُلَّم الأولويات؛ حتى لا نجعل في آخرها نصيبَنا من كتاب الله؛ الذي فيه خَبَرُ مَن قبلَنا ونَبَأُ ما بعدَنا وفَصْلُ ما بيننا؛ بل نجعله على رأسها، وحتى لا نضيع الساعات الثلاث في المناجاة والمحاسبة والتفكر؛ عسى أن تَحيَا القلوبُ وتستنيرَ بنور الله -تعالى-؛ فيَفيضَ منها النورُ على مَن حولها؛ فيَتغيرَ واقعُنا إلى ما يحبه الله -تعالى- ويرضاه، وتنجحَ دعوتُنا في اختراق الحُجُب وإزالةِ الظلمات عن البصائر وتحريرِ القلوب والأبدان من أَسر عبودية الشهوات.
فاللهم فاطرَ السموات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، رَبَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدنا لِمَا اختُلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي مَن تشاء إلى صراط مستقيم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحديث وإن كان ضعيف الإسناد إلا أن فيه مِن الحِكَم العظيمة والمواعظ الجسيمة -كما قال الحافظ المنذري- ما ينبغي تدبره.