أسئلة حول "التجلي المزعوم" تبحث عن مجيب!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • مذاهب فكرية في الميزان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
"مستعدون للمجاوبة" عنوان كتاب مجهول تنصيري، وُزِّع في "مصر" بكميات كبيرة، وهو مِنْ أوَّل سطر فيه موجَّه إلى المسلمين، ومؤلف هذا الكتاب من النوع الظريف الذي يضع ظـُرفه في غير موضعه؛ حيث يُصر على أن "القرآن" يؤيد العقيدة "النصرانية" في تأليه عيسى -عليه السلام-! وأن القرآن أكد استحالة تحريف "الإنجيل"، وكأن "القرآن" كان أكثر تعصبًا لـ"لإنجيل" من "الفاتيكان" ذاته الذي اعترف بتحريف "التوراة" و"الإنجيل"!
وطبعًا لم يُقـْدِم صاحب الكتاب على هذه المغالطات استنادًا إلى "ظرفه" فقط؛ وإنما استنادًا إلى أنه يناظِر من جانب واحد شأن كل المنصرين، فبعد صمتٍ استمرَّ قرونـًا من الزمان هوت فيها "الإمبراطورية الرومانية" -قائدة العالم النصراني، وصاحبة هذه الديانة الجديدة: "النصرانية المتروِّمة" (1) - أمام المسلمين؛ لم يلجئوا إلى المناظرة، فهم يعلمون أن الانتصار على المسلمين في ميدان المناظرة كان كفيلاً بالقضاء عليهم؛ لأنه كما تقتضيه قواعد علم "الاجتماع" ونظرية "العقيدة القتالية" فإن أمة الإسلام إذا فقدت الأساس الذي قامت عليه وهو: "إخراج الناس من الظلمات إلى النور" بأن يُثبت لها مُثبتٌ بأن الأمم الأخرى لها نصيب من الحق وحظ من النور؛ لانتهى بذلك أمرها، ولكنها هرعت إلى السيف، فلم يُغنِ عنها شيئًا في مواجهة دعوة الإسلام!
ثم نشأ "الاستشراق" الذي عمد إلى نشر الأكاذيب حول دعوة الإسلام؛ ليصد الأوربيين عن اتباعها، ثم روَّجوا هذه الأكاذيب عند جهلة المسلمين، وظنـُّوا أنهم باستطاعتهم إحراز نصرٍ فكريٍّ على المسلمين تأخر ثلاثة عشر قرنـًا من الزمان، فما لبثوا أن أخرج الله لهم جيل الصحوة الإسلامية الذي ردَّهم على أعقابهم، وفضح باطلهم، وعاد لتغزو كتب الإسلام "أوروبا" و"أمريكا"، إلى القدر الذي دفع ذلك الراهب الألماني إلى إحراق نفسه؛ ليلفت انتباه الأوربيين إلى خطورة انتشار الإسلام في "أوروبا"، وبالفعل انتبه الساسة في "أوروبا" إلى خطورة الأمر؛ فشنـُّوا الحرب على الأذان الإسلامي، وعلى الحجاب الإسلامي.
الحاصل: أن تاريخ مناظرات "الإسلام" و"النصرانية" لم يشهد إلا نكولاً عن المناظرة من جانب النصارى وهم في أوج قوتهم، وإما مناظرات من جانب واحد: يُلقون الشبهات ثم يتسترون وراء جدر حديديَّة، وعندما تجرأ بعضهم على المناظرة العلنية المباشرة؛ هُزموا وهم في كنائسهم وبين جمهورهم كما جرى عبر التاريخ، منها: مناظرات الشيخ "أحمد ديدات" -رحمه الله- الشهيرة.
وفي هذه الحقبة من الزمان -حيث علا صوت الأقليات النصرانية بادعاء الاضطهاد- علا صوت "التنصير" بحيث يصول المنصِّرون ويجولون، فإذا اعترضهم معترض، وأجابهم مجيب؛ خرج الآخرون يهتفون: "طعنَ في عقائد شركاء الوطن، وهددَ الوحدة الوطنية"! مما يوفـِّر حماية للمنصِّرين، ويورثهم شجاعة زائفة، تجرَّأ معها مؤلف هذا الكتاب أن يجعل له هذا العنوان المستفز: "مستعدون للمجاوبة"!
وحسنـًا فعل "مجمع البحوث الإسلامية" حينما أحال الكتاب إلى الدكتور "محمد عمارة"؛ فردَّ عليه ردًّا علميًّا شافيًا، استند فيه إلى كلام كبار علماء مِلتهم في إثبات تحريف التوراة والإنجيل، وبيَّن أثر العقائد الرومانية الوثنية، وبيَّن كيف تروَّمت "النصرانية"، ولم تعد هي نصرانية "المسيح" -عليه السلام- والتي أثنى عليها القرآن؛ لأنها ببساطة إحدى رسالات الإسلام الذي بُعث به جميع الأنبياء -عليهم السلام-.
ونـُشر الكتاب كهدية مع مجلة "الأزهر" عدد "ذي الحجة" لعام 1430 هـ، ورغم أن كتاب: "مستعدون للمجاوبة" أو المنشور التنصيري كما سماه الدكتور "عمارة" وُزِّع على المارة في الطرقات، وفي محافل عامة، مما يعني أن توزيع الرد أضيق من توزيع الشبهة، ورغم أن مجلة "الأزهر" مجلة إسلامية مما يعني أنه لا يُتصوَّر أن يقرأها النصارى، ورغم أن المجلة جعلت عنوان الكتاب مُبهمًا حيث سمته: "تقرير علمي"، ولم تُشِر إلى موضوع هذا التقرير إلا في الداخل مراعاة لمشاعر خمسة بالمائة من النصارى! وعلى الرغم من أن المسلمين في "سويسرا" -وهم أكثر من خمسة بالمائة- يُمنَعون من بناء المساجد باستفتاء شعبي!.. رغم هذا كله تمَّت مصادرة الكتاب، وسحب نسخه من الأسواق؛ حتى يبقى المنصِّرون -دائمًا- مستعدين للمجاوبة طالما بقي سائر النصارى مستعدُّون للمشاغبة، ومِن ورائهم من هو مستعد للمصادرة -وحسبنا الله ونعم الوكيل-.
وفي هذه الأثناء أشاعت بعض الكنائس أن مريم -عليها السلام- قد تجلـَّت لثوانٍ معدودةٍ في سماء الكنيسة يحيط بها ثلاث أو أربع حمامات، وأن الحمام عاود الظهور ليومين آخرين دون السيدة مريم التي اكتفت بهذه الثواني -على حد زعمهم-، وقد فرح المنصِّرون بذلك! وأعدُّوا العُدَّة؛ لنشر هذه الكرامات بين المسلمين وبين أتباع الطوائف الأخرى على حد سواء؛ ليثبتوا بزعمهم أن "الأرثوذكس" وحدهم هم أصحاب الحق (2) .
وعمومًا فهذه فرصة جيدة؛ لكي نختبر استعداد المنصِّرين للمجاوبة عن طريق طرح أسئلة لن نتكلف الجواب عليها؛ بحيث لا يبقى لمشغـِّب ذريعة، ولا لمصادِرٍ حُجَّة.
السؤال الأول: من المعلوم -قطعًا- أن الصور التي يرسمها النصارى للمسيح وأمه -عليهما السلام- هي صورٌ من وحي خيال رسَّامين، ولم يكونوا شهود عيان ولا ناقلين عن شهود عيان، وقد رسموا مريم -عليها السلام- في ثوب أزرق، ثم زعم أصحاب واقعة "التجلي" أنها تجلت لهم في ثوبها الأزرق المعروف، فهل تحرَّت أن تأتي لهم في نفس الثياب التي اختارها لها الرسام "الروماني" (3) ، أم أن "التجلـِّي" واللوحة كلاهما خرج من مصدر واحد هو "الخيال"؟!
السؤال الثاني: صوَّر الرسامون مريم -عليها السلام- وعليها غطاء رأس، ونحن نوقن بأن الذي كانت ترتديه في الحقيقة هو أفضل من ذلك بكثير؛ حيث كان النقاب مشروعًا لنساء بني إسرائيل، ولكن الذي يهمُّنا الآن أن نسألهم: هل تجلـَّت لهم "العذراء" ساترة الرأس أم حاسرة؟ وإذا كانت ساترة فلِمَ لا يقتدون بها؟ ولِمَ يسخرون مِنْ حجاب المرأة المسلمة؟