شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تحديد للنسل أم تحديد للعقل

أحمد خميس • قاموس التصحيح السلفي

أما في أوروبا وأمريكا والاتحاد السوفيتي واليابان؛ فقد ظهرت تشريعات وقوانين تبيح الإجهاض وتدعو إلى تحديد النسل، بل وصل الحال ببعض المالتسيين إلى المطالبة بإجراء عَقـْم للرجال والنساء بشكل إجباري، والعَقـْمِ الجماعي بغير علم الناس عن طريق وضع مواد كيماوية في الماء والطعام! والوقوفِ ضد إصدار قوانين إغاثة الفقراء! بغرض منعهم من التكاثر، وإصدارِ قوانين تُعَقِّد عملية الزواج، وسَنِّ ضرائب على الأطفال!! إلى غير ذلك من المقترحات التي تتنافى مع أبسط مقتضيات الفطرة الإنسانية.

وكما ذكرنا فقد لاقت الأفكار المالتسية آذانـًا صاغية عند معظم الحكومات العربية، واعتبرت هذه الحكومات تحديدَ النسل من أهم أهدافها الإستراتيجية في سبيل تحقيق النهضة الاقتصادية المنشودة، وراحت تنفق على الحملات الطبية والإعلانية؛ لتوعية الناس بمخاطر الانفجار السكاني، ووفرت جميع الوسائل الطبية اللازمة لإنجاح حملة تحديد النسل!

والآن... وبعد ما يقرب من 40 عامًا على ظهور المالتسية في ثوبها الجديد ونجاحِها الباهر في تسويق أفكارها لدى جميع دول العالم: هل حقـًّا كانت المشكلة في عدد السكان؟! وهل حقـًّا يوجد أزمة سكانية في بلادنا؟!

من المعلوم أن مساحة العالم العربي تقدر بـ"14" مليون كيلومتر مربع؛ لتشكل 10% من مساحة العالم المسكون، في حين أن تعداد السكان العرب يبلغ حوالي 313 مليون نسمة حسب إحصائية 2006م؛ أي حوالي 5% من سكان العالم البالغ تعداده 6 مليار نسمة! فهل حقـًّا يوجد أزمة سكانية في الوطن العربي؟؟

ومن المعلوم أن مساحة اليابان تقدر بـ"378" ألف كيلو متر مربع؛ وهو ما يعادل حوالي ثلث مساحة مصر المقدرة بـ"مليون" كيلومتر مربع، في حين أن عدد سكان اليابان يبلغ 128 مليون نسمة حسب إحصائية 2008م، ويبلغ عدد سكان مصر 75 مليون نسمة حسب إحصائية 2007م! واليابان عبارة عن مجموعة الجزر والمرتفعات؛ حيث تمثل الطبيعة الجبلية 73% من مساحة البلاد! وتقع اليابان في منطقة بركانية هي جزء مما يعرف بحلقة المحيط الهادي النارية؛ وتحدث بها الزلازل المدمرة التي تتبعها غالبًا موجات التسونامي البحرية مرات عدة كل قرن! وهي تستورد البترول والمواد الخام! ولكن رغم كل ذلك؛ فاليابان هي ثاني أقوى اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة! وهي أعجوبة العصر في الصناعة، ولم نسمع يومًا أن بها أزمة سكانية أو أن كثافتها السكانية العالية-338 فرد لكل كيلومتر مربع بينما في مصر 75 فرد لكل كيلو متر مربع- قد أثرت على اقتصادها!!

وللحق فإن اليابان تعاني فعلاً من أزمة سكانية حقيقية هذه الأيام، ولكنها أزمة مِن نوع مختلف؛ إنها أزمة تناقص السكان! فبمجرد تناقص معدلات المواليد هرعت وزارة الصحة اليابانية إلى تحذير الحكومة بأن استمرار المعدلات الحالية على ما هي عليه يؤدي إلى تناقص عدد سكان اليابان بحلول عام 2050م إلى 95 مليون نسمة؛ وعند ذلك يتوجب على حكومة اليابان رفع سن التقاعد إلى 77 عامًا أو قبول 10 مليون مهاجر سنويًّا حتى عام 2050م؛ إذا أرادت اليابان أن تحافظ على استمرارها كقوة عظمى في عالم الاقتصاد!!

ومن المعلوم أن مساحة السودان الغني بالثروات الطبيعية والأراضي الخصبة والثروة الحيوانية الوفيرة تبلغ 2.5 مليون كيلو متر مربع؛ أي حوالي ربع مساحة قارة أوروبا البالغة 10.5 مليون كيلو متر مربع، بينما يبلغ عدد سكان السودان 38 مليون نسمة حسب إحصائية 2006م؛ أي حوالي 5% من عدد سكان أوروبا البالغ 731 مليون نسمة في عام 2004م! ورغم ذلك نجد الأزمات الاقتصادية تتفاقم في السودان وليست أوروبا!!

أما الصين فتبلغ مساحتها 9.5 مليون كيلو متر مربع؛ أي تقل عن مساحة الوطن العربي بحوالي 5 مليون كيلو متر مربع، بينما يبلغ تعداد الصين مليار و300 مليون نسمة؛ بما يزيد عن سكان الوطن العربي بحوالي مليار نسمة! ورغم ذلك؛ فالصين في طريقها لتصبح القوة العظمى الأولى في العالم!!

وتبلغ مساحة الولايات المتحدة الأمريكية 9.8 مليون كيلومتر مربع؛ بما يقل عن مساحة الوطن العربي بحوالي 4 مليون كيلومتر مربع، بينما يبلغ عدد سكانها 281 مليون نسمة حسب تعداد عام 2000م، ومِن المتوقع أن يرتفع في 2009م إلى 307 مليون نسمة؛ أي يقل قليلاً عن سكان الوطن العربي! ورغم ذلك؛ فالولايات المتحدة ما زالت تفتح أبوابها للهجرات الواردة إليها من جميع أنحاء العالم! بل وتعلن سنويًّا مِن خلال سفاراتها عن مسابقات الهجرة العشوائية التي يتقدم إليها آلاف الشباب من الوطن العربي!!

وفي فرنسا التي تبلغ مساحتها 675 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ تعداد سكانها 65 مليون نسمة حسب تعداد 2009م؛ نجد أن هنالك العديد مِن القوانين والتشريعات التي تشجع على زيادة المواليد! وتشجع على جلوس أحد الأبوين في البيت ليرعى أطفاله مقابل 500 يورو شهريًّا في حالة تكَوُّنِ الأسرة مِن طفلين، و750 يورو في حالة تكَوُّنِ الأسرة مِن ثلاثة أطفال!!

وفي إيطاليا التي تبلغ مساحتها 301 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ تعدادها 60 مليون نسمة حسب تعداد 2009م؛ نجد أن الحكومة تحاول جاهدة تشجيع النمو السكاني بتقديم 500 يورو شهريًّا لكل أسرة تتكون مِن طفلين؛ لتشجيع النساء على الولادة!!

وفي ألمانيا التي تبلغ مساحتها 357 ألف كيلو متر مربع -ثلث مساحة مصر-، ويبلغ تعدادها 82 مليون نسمة حسب تعداد 2008م؛ نجد أن الحكومة الألمانية بمجرد تناقص معدلات المواليد بالنسبة لمعدلات الوفيات هرعت إلى تقديم الكثير من التشجيعات؛ لحث الألمان على إنجاب المزيد من الأطفال؛ مثل: إمكانية أن يأخذ الوالدين إجازة لرعاية أطفالهم بأجر يصل إلى 67% مِن أجرهم العادي، وطرحت الحكومة الألمانية في عام 2007م اقتراحات بعمل تخفيضات ضريبية لمساعدة الأزواج الذين يريدون إنجاب الأطفال، كما وافقت على زيادة أعداد مدارس الحضانة التي تسمح للنساء بتربية الأطفال مع الاستمرار في العمل!!

الصفحة السابقة الصفحة التالية