مريم -عليها السلام- كما ذكرها القرآن
أحمد الشحات • مذاهب فكرية في الميزان
فتولى اليهود -كالعادة- كِبر هذه المؤامرة الخبيثة، وراحوا يوبِّخون مريم في خبث بقولهم: ( يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ) (مريم:28) ، وهنا تقع المعجزة الإلهية على يد عيسى -عليه السلام-؛ لأن الله -عز وجل- ما كان ليجري على مريم -عليها السلام- مثل هذه الكرامة الخارقة دون أن يؤيدها بما يبرؤها من الظن الفاسد الذي ينال مِنْ شرفها وعرضها، وهي التي وهبت نفسها للعبادة والنسك، وقد حكى القرآن هذه المساجلة الهامة في قوله: ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا . قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا . وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) (مريم:29-33) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "في هذه الآية إثبات من عيسى -عليه السلام- العبودية لله -عز وجل-، وأنه مخلوق من خلق الله، يحيا ويموت، ويُبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلام في هذه الأحوال التي هي أشد ما يكون على العِبَاد".
5- وقفات مع حياة عيسى -عليه السلام-:
بدأ عيسى -عليه السلام- دعوته إلى الله -تعالى- والتي كان عمادها التوحيد لله وإفراده بالعبودية، مثله مثل غيره من الأنبياء، فذكر القرآن نماذج من حواراته مع بني إسرائيل.
فمنها: وصيته لهم بعبادة الله -تعالى- وتحذيرهم من مغبة الشرك والضلال: ( وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) (المائدة:72) .
ومنها: شهادته على نفسه أنه عبد مربوب لله، فقال: ( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) (المائدة:116-117) .
ومنها: بيان أن المعجزات التي أجراها الله على يد عيسى -عليه السلام- هي مِنْ جملة النعم التي أنعم بها عليه؛ فقال: ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي ) (المائدة:110) .
ثم ذكر القرآن في تقرير واضح بشارة عيسى -عليه السلام- بمحمد -صلى الله عليه وسلم- في قوله: ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) (الصف:6) .
ثم ختمت حياة عيسى -عليه السلام- على الأرض بتآمر اليهود عليه؛ لكي يقتلوه تبجحًا منهم وجرأة على أنبياء الله، ولكن الله خيَّب آمالهم، وحفظ عبده عيسى -عليه السلام- من القتل، ورفعه عنده في السماء، فقال -عز وجل-: ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ) (النساء:157) .
فها أنت أخي الحبيب، قد وضحت لك قصة عيسى ومريم -عليهما السلام- منذ بدايتها؛ فكلاهما بشر عبد لله -عز وجل-، لم يدعُ أي منهما إلى عبادة نفسه من دون الله، بل صرَّح القرآن في أكثر من موضع كفر من اعتقد فيهما بخلاف ما ذكره القرآن؛ فقال -عز وجل-: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) (المائدة:72) ، وقال -أيضًا-: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ) (المائدة:73) .
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.