شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتوح أوروبا (3).. فتح الأندلس

محمد سرحان • السيرة والتاريخ

وفي يوم مجيد من أيام سنة اثنتين وتسعين للهجرة؛ فصل طارق بن زياد عن البر الإفريقي بسبعة آلاف من الجند جلهم من البربر تحملهم أربع سفن كبيرة أعدت لذلك، فألقت السفن مراسيها عند الصخرة العتيدة القائمة على الشاطئ الأوروبي, والمعروفة اليوم في سائر اللغات الدنيا باسم "جِيبر التَّارْ" أو جبل طارق.

بثَّ طارق بن زياد عيونه في كل مكان, واستعان بخبرات يوليان فجاءته الأنباء بأن "لذريق" حشد له من الجند عشرة أمثال ما معه, وأعد للقائه من العدة ما لا قبل له به, فأرسل إلى موسى بن نصير يستنجده فأنجده بخمسة آلاف من عسكره, وبذلك بلغت عدة المسلمين في معركة الفتح الأولى اثني عشر ألفـًا من المجاهدين, وكان مما شد من أزر طارق بن زياد أنه كان حين يعبر البحر رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في نومه, وقد حفت به كوكبة من المهاجرين والأنصار وهم متقلدوا السيوف, متنكبوا القسي -يحملونها- ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يناديه قائلاً: "تقدم لشأنك يا طارق"، ثم دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعه أصحابه إلى بلاد الأندلس, ودخل هو وجيشه وراءهم, فهب طارق من نومه فرحًا مستبشرًا, وأيقن أن هذا من الرؤيا الصالحة الصادقة, فقويت نفسه, واشتد فؤاده, ووثق من نصر الله.

وجمع "لذريق" جيشًا جرارًا مائة ألف مقاتل, وحشد فيه أمراء "القوط" وملوكهم وفرسانهم, ونزل الجيشان على مكانين متقاربين, فأراد لذريق أن يستطلع أحوال جيش المسلمين فندب لذلك رجلا يثق به, ويعرف نجدته وحذقه, ومضى رسول "لذريق" إلى غايته, فلما استشرفه -رآه- المسلمون وثبوا إليه فأطلق لفرسه العنان, وولى هاربًا, وأفلت من فرسان المسلمين بأعجوبة حتى بلغ معسكره خائر القوى, مقطوع الأنفاس, ولما سكت عنه الهلع قال للذريق: "خذ على نفسك أيها الملك -خذ الحيطة والحذر-, والزم الحذر على ملكك وجيشك, فقد جاءك من لا يريد إلا الموت, أو إصابة ما تحت قدمك".

وفي صبيحة الثامن والعشرين من رمضان سنة اثنتين وتسعين للهجرة كان لذريق يتجه للقاء طارق بن زياد وهو في عجلته الحربية. قد نصب له فوقها سرير من ذهب, وعلى رأسه مظلة مكللة بالدر, مرصعة باليواقيت والزبرجد -نوع من الأحجار الكريمة-, وقد تحلى بأبهى حلة, وتزين بأتم زينة, وقد أحاط حرسه بعربته إحاطة السوار بالمعصم, وحف به مائة ألف من جنوده وفي الجبهة الأخرى طارق بن زياد يدق بقدميه الأرض بارزًا صدره, مصلتـًا سيفه, واقفـًا على نشز -مرتفع- من الأرض يخطب جنوده خطبة الجهاد المشهورة: "أيها الناس: أين المفر؟ البحر من ورائكم, والعدو أمامكم, وليس لكم والله إلا الصدق والصبر".

وما إن أتم طارق خطبته حتى كان جيش الإسبان الكثيف يقترب من ساحة المعركة في بطء ويتهادى إليها في خيلاء, فقد كان مائة ألف, وجيش المسلمين اثنا عشر ألفا, ثم التقى الجمعان ودارت بينهما رحى معكرة ضروس دامت ثمانية أيام أبدى فيها المسلمون من ضروب البطولات وصنوف التضحيات, وفنون الحرب ما لا يزال يذكره التاريخ في أروع صفحاته, ثم انجلت المعركة عن نصر مؤزر أعز الله به أولياءه, وهزيمة منكرة أذل بها أعداءه. فولى لذريق الأدبار وانفسح الطريق أمام طارق وجنده, ومنَّ الله على جنة الدنيا بلاد الأندلس بنعمة الإسلام ورفعت على رباها الشم راية القرآن, ولقبت بعد ذلك بدرة التاريخ, وكان منها "قرطبة" التي كانت تسمى عروس الدنيا, وكان فيها ما كان من عز ومجد، وفخر وعلم وحضارة للمسلمين. وقال طارق بن زياد في فتح الأندلس:

ركبنا سـفـنـنا بالـمـجاز مـقـيـرا عسى الله أن يكون منا قد اشترى

نـفـوسـًا وأمــوالاً وأهــلاً بـجـنة إذا ما اشتهينا الشيء فيها تيسرا

ولسنا نبالي كيف سالت نفوسنا إذا نحـن أدركـنـا الـذي كان أجدرا

ونحن نقول اليوم:

عذرًا ربى المجد إن القوم قد هانوا وإنهم في أيادي المعتدي قد لانوا

عـذرًا فـما ردهـم عـمـا يـحـاك لهم وعــي ولا ردهــم ديـــن وقـــرآن

عــذرًا فــأروقـة الأحــزان حـافــلـة وسـاحـة الـفـرح المـقـتـول قيعان

عــذرًا فـبحـر المآسي لم يزل لجبًا يـمـوج فـي مـائـه قـرش وحيتان

عــذرًا فــإن بــلاد العـرب لاهــيــة تـضـج فـي صدرها عبس وذبيان

فاللهم انصر الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين, ودمر أعداء الدين, وحرر بلاد المسلمين.

وصلي اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

للاستزادة:

الطريق إلى الأندلس د/ عبد الرحمن رأفت باشا

ري الظمآن د/ سيد العفاني

البداية والنهاية للإمام ابن كثير

الصفحة السابقة