هل بشَّر العهد القديم بصلب المسيح أم بنجاته
أحمد الفيشاوي • مذاهب فكرية في الميزان
عينا الرب على الصدِّيقين، وهو يسمع دعاءهم.
أما الأشرار فيقطع ذكرهم من الأرض.
يستغيث الصالحون بالله فينجيهم من مضايقهم.
الرب قريب من منكسري القلوب، ويخلص منسحقي الروح.
ما أكثر مصائب البار، ولكن الرب ينجيه منها كلها.
يحفظ جميع عظامه، ولا ينكسر له عظم.
الشرير يموت بشره، ومن يبغض البار يعاقب.
الرب يفدي نفوس عباده، وكل من اعتصم به ينجو". "من مزمور:34" .
و"المزمور" كله إشارات واضحة عن نجاة المسيح، وطول أيام حياته، وهلاك عدوه وقصر عمره.
2- ونبوءة أخرى يشير إليها "بطرس" بعد رفع "المسيح" -عليه السلام- وغياب "يهوذا الإسخريوطي " التلميذ الخائن الذي انضم إلى "اليهود" ضد "المسيح"، قام "بطرس" بين التلاميذ خطيبًا فقال: "أيها الإخوة، كان ينبغي أن يتحقق المكتوب عن "يهوذا" الذي كان واحدًا منـَّا، ثم انقلب دليلاً ومرشدًا للذين قبضوا على "يسوع"، فإنه قد اشترى حقلاً بأجرة خيانته! وبينما هو فيه سقط على رأسه وانشقت بطنه وخرجت أحشاؤه؛ لأنه مكتوب عنه بسفر "المزامير": "لتصر داره خرابًا، ولا يسكنها ساكن"، ومكتوب أيضًا: "ليشغل وظيفته شخص آخر"... ثم اصطلحوا على تلميذ آخر يقال له "متياس"؛ ليتولى وظيفة "يهوذا الإسخريوطي". "من سفر أعمال الرسل 1:15-15" .
ومرة أخرى يفضح السكران نفسه، فلنذهب إلى سفر "المزامير" بـ"العهد القديم"؛ لنرى ماذا قال عن "يهوذا"، وأهم من ذلك ماذا قال المسيح فيه عن نفسه؟!
"يا الله، يا من أسبحه، لا تسكت.
فإن الماكر الشرير قد تكلم ضدي بالكذب.
فأقم عليه قاضيًا شريرًا، وليقف شيطان عن يمينه.
إذا حوكم فليخرج مذنبًا.
ليقصر عمره، وليشغل وظيفته شخص آخر.
ليكن بنوه أيتامًا وامرأته أرملة.
لينقرض نسله، وليمح من الجيل الآتي اسمه.
لأجل أنه لم يرحم، بل تعقب إنسانـًا مسكينـًا ومكسور القلب ليقوده إلى الموت.
أحب اللعنة فأتته، وكره النعمة فابتعدت عنه.
هذا جزاء الرب لمن يبغضني ويتكلم عليَّ بسوء.
أما أنت يا رب فبرحمتك نجني.
فإني فقير ومسكين أنا وقلبي مجروح في داخلي.
وهنت ركبتاي من الصوم، وأصبحت هزيلاً بلا شحم.
انصرني يا إلهي، خلصني برحمتك، وليعلموا أن هذه يدك.
أما هم فيلعنوني، أما أنت فتباركني.
يهاجمونني وأنت تخزيهم، أما عبدك فيفرح.
أحمد الرب كثيرًا، وفي وسط الجموع أسبحه.
لأنه يقوم عن يمين المسكين ليخلصه من الحاكمين عليه بالموت". "من مزمور:109" .
والنبوءة واضحة في نجاة "المسيح" -البريء البار- ممن يريدون محاكمته بالظلم والكذب، ووقوع "يهوذا" -الماكر الخائن- في محاكمة تدينه وتقضي عليه بالموت.
إنَّ المطلع على سفر "المزامير" -سفر "المسيح" الخاص- يجد به عشرات النبوءات مما يتفق علماء النصارى أنها عن "المسيح"، ولا تكاد نبوءة من تلك النبوءات تخلو من البشارة بنجاة "المسيح" -عليه السلام-، وهذا الذي يقال عنه بحق: "لكي يتم المكتوب"، أما هذيان كُتاب "الأناجيلط فهو -أيضًا-؛ لكي يتم المكتوب: ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) (الجمعة:5) ، ولا يسع المقام؛ لسرد تلك النبوءات، وإنما اخترنا المثالين السابقين لإشارة كُتاب "الأناجيل" إليهما، فلو تنصَّل علماء النصارى من كل نبوءات "المزاميرط -وهم لا يتنصلون-؛ فلن يمكنهم التنصل من تلك النبوءات التي أشار إليها كتاب "الأناجيل".
3- أما أجمل وأعجب تلك البشارات -على الإطلاق-، فهي تلك التي أشار لها "المسيح" نفسه، ففي إنجيل "متى" و"لوقا" أن "إبليس" أخذ "المسيح"، وأوقفه على حافة سطح "الهيكل"، وقال له: "اطرح نفسك من هنا؛ فإنه مكتوب أن الله يوصي ملائكته بك؛ لكي يحفظوك، وعلى أياديهم يحملونك؛ لكي لا تعثر رجلك بحجر "، فرد عليه المسيح: "مكتوب -أيضًا- لا تجرب الرب إلهك". "إنجيل متى 4:5-7" ، "إنجيل لوقا 4:9-12" .
فأقره المسيح -عليه السلام- أن تلك النبوءة مكتوبة عنه، وأنه مطمئن لوعد الله بتلك البشارة، فلا يختبر ربه.
وكأنَّ "إبليس" أعلم بـ"العهد القديم" من كُتاب "الأناجيل"؛ فقد ذكر النبوءة دون أن يحذف منها ما يغيِّر معناها كما فعل كُتاب "الأناجيل" مع نبوءات "العهد القديم" في كثير من تعليقاتهم على الأحداث، كما مر مثالان لذلك.
وإذا رجعنا إلى سفر "المزامير" -سفر "المسيح" الخاص- وجدنا به تلك النبوءة بسياق أتمّ:
"الساكن في حمى العلي وفي ظل القدير يبيت.
يقول للرب: أنت حصني إلهي الذي أتوكل عليه.
الرب ينجيك من فخ الصياد، ومن الوبا الفتاك.
يظللك بريشه الناعم، ويحميك في كنفه، ووعوده الأمينة تكون ترسًا لك.
فلا تخاف هول الليل، ولا سهمًا يطير في النهار.
يسقط عن يمينك ألف إنسان، وعن شمالك عشرة آلاف، وأنت لا يمسك سوء.
فانظر فقط بعينيك لترى عقاب الأشرار.
لأنك قلت: أنت يا رب ملاذي، جعلت العلي ملجأك.
لا يصيبك شر، ولا تدنو ضربة من مسكنك.
لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك.
وعلى أياديهم يحملونك؛ لكي لا تعثر رجلك بحجر.
تدوس على الأسد والأفعى، وتطأ على الشبل والثعبان.
أنجيك لأنك أحببتني، وأرفعك لأنك عرفتني.
تدعوني فأستجيب لك، معك أنا في الضيق أنقذك وأكرمك.
من طول الأيام أشبعك وأريك خلاصي". "من مزمور:91" .
فتأمل تلك النبوءات مع قوله -تعالى-: ( إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (آل عمران:55) ، وتأمل دعوى النصارى والأناجيل أنه -حاشاه- جلده الجلاد حتى أدماه، وصفعه جنود الرومان على وجهه وقفاه، وصلبوه عريانـًا قد بدت سوأتاه، كل ذلك وهو في غاية الذل والعجز والجزع واليأس، قد تخلى عنه أصحابه، واستغاث ربه فما أجابه، فوالله ما حصل له إلا ما وعده به ربه مِن حفظه ورفعه ونجاته.
لقد أعطى كُتـَّاب "العهد الجديد" لأجيال اليهود -المؤمنين بـ"العهد القديم"- أكبر مبرر للكفر بـ"المسيح" عيسى ابن مريم -عليهما السلام-؛ فإنه لو كان هو المصلوب لما كان هو "المسيح" الموعود به بـ"العهد القديم"، ولكان متنبئـًا كذابًا يزعم أنه "المسيح" مع أنه ليس هو.