الافتقار إلى الله
علي حاتم • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالطغيان لغة: مجاوزة الحد.
واصطلاحًا: مجاوزة الحد في العصيان.
وللطغيان أسباب كثيرة، منها: المال, والعشيرة, والأنصار, والقدرة, كما أن هناك طغيانـًا في العلم إذا انضاف إلى كل ذلك حب الدنيا, وإيثارها على الآخرة.
وقد جمع قول "وهب بن منبه" بين طغيان المال, وطغيان العلم: "إن للعلم طغيانـًا كطغيان المال".
يقول "ابن الأثير": "أي أن العلم يحمل صاحبه على الترخص بما اشتبه منه إلى ما لا يحل له, ويترفع به على من دونه, ولا يعطي حقه بالعمل به كما يفعل رب المال".
وقد وصف الله -عز وجل- ذلك الإنسان الذي علم من نفسه أنه مستغنٍ عن الله بماله, وأنصاره, وعشيرته بأنه طغى. قال -تعالى-: ( كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) (العلق:6-7) , و"كَلا" هنا بمعنى حقـًا كما يقول المفسرون, أو هي كلمة ردع لمن كفر بنعمة الله عليه في طغيانه.
"والإنسان" يراد به العموم على الراجح من قولي أهل العلم, والقول الآخر عند كثير من المفسرين: أن الإنسان هنا إنسان واحد هو أبو جهل, ومع أن الآية الكريمة نزلت فيه حيث كان يطغى بكثرة ماله, ويبالغ في عداوة النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد روي أنه قال -للنبي صلى الله عليه وسلم-: "أتزعم أن من استغنى طغى, فاجعل لنا جبال مكة فضة وذهبًا؛ لعلنا نأخذ منها فنطغى, فندع ديننا, ونتبع دينك, فنزل عليه جبريل -عليه السلام- فقال: إن شئت فعلنا ذلك, ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة, فكف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الدعاء إبقاءً عليهم".
نقول: مع أن الآية نزلت في أبي جهل إلا أن العبرة بعموم النص, لا بخصوص السبب؛ لأن الله -تعالى- كما يقول الرازي: بيَّن أنه مع أنه خلق الإنسان من علق, وأنعم عليه بالنعم التي ذكرت في أول السورة, إذا أغناه وزاد في النعمة عليه؛ فإنه يطغى, ويتجاوز الحد في المعاصي لاتباع هوى النفس, وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة, والله -سبحانه- أكد على هذا الزجر بقوله: ( إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ) (العلق:8) ، فتقع المحاسبة على ما كان فيه من العمل, والمؤاخذة بحسب ذلك.
والغِنى كما يقول الشوكاني -رحمه الله-: "مطغٍ إلا من عصم الله"، وقد أفاض الشنقيطي -رحمه الله- في التأكيد على أن الغنى وحده ليس موجِبًا للطغيان إلا أن يصحبه إيثار الدنيا على الآخرة, واستدل -رحمه الله- على ذلك بأنه قد وجد الكثير من الناس يستغنى ولا يطغى, فيكون لفظ الإنسان في الآية من العام المخصوص, ولا يكون الاستغناء وحده هو سبب الطغيان, ولذا جاء في السنة ذم العائل المستكبر؛ لأنه مع فقره يرى نفسه استغنى, فالاستغناء إذن معنى في نفسه, لا بسبب غناه كما قال -عز وجل-: ( فَأَمَّا مَنْ طَغَى . وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ) (النازعات:37-39) ، فإيثار الحياة الدنيا هو الموجب للطغيان.
وكما في قوله -عز وجل-: ( الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ . يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ . كَلا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ) (الهمزة:2-4) , ومفهومه أنه من لم يؤثر الحياة الدنيا, ولم يحسب أن ماله أخلده لن يطغيه ماله ولا غناه.
وأكثر المفسرين يؤكدون على هذا المعنى, وهو أن الغنى وحده ليس موجبًا للطغيان, ولذلك يفسرون قول الله -عز وجل-: ( أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) أي: رأى نفسه, ومعنى الرؤية العلم, أي علم نفسه مستغنيًا, ولذلك فإن جملة "استغنى" مفعول ثان لرأى التي هي بمعنى عَلِمَ, وقالوا: إن ذلك لا يكون في غير أفعال القلوب.
وضرب الشنقيطي -رحمه الله- أمثلة كثيرة على أن الغنى وحده لا يوجب الطغيان، إنما الذي يوجبه ما يحدث في النفس من معاني الاستعلاء والاستغناء عن الله, والاستكبار وإيثار الحياة الدنيا، وغيرها من الآفات التي تورد الإنسان موارد الهلاك, وقد أشار -رحمه الله- إلى قول قارون: ( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) (القصص:78) , كما أشار إلى قول ثالث الثلاثة من بني إسرائيل: ( إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ ) (رواه مسلم) , وذلك بخلاف المسلم فلا يزيده غناه إلا تواضعـًا وشكرًا للنعمة كما قال نبي الله سليمان: ( قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) (النمل:40) .
وقد بيَّن الله في نفس السورة أنه -عليه السلام- شكر الله -عز وجل-؛ قال -تعالى-: ( فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ) (النمل:19) .
وقد كان في أصحاب رسول الله -صلي الله عليه وسلم- من هم من أصحاب المال الوفير, فلم يزدهم ذلك المال إلا قربة لله كعثمان, وابن عوف, وغيرهم -رضي الله عنهم-.
كيف النجاة إذن من الطغيان بكل أنواعه: طغيان المال, أو العشيرة, أو العلم, أو الجاه, أو القدرة؟
هو في علاج النفس, هو في علاج القلب من تلك الآفات, وأن يشاهد العبد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه, ويتضرع لله, ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين, وأن يعينه في جميع أموره, وعلى العبد أن يستصحب هذا المعني في كل وقت, حتى يفوز بالإعانة الكاملة من ربه الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها، قال عز من قائل: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ . وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ) (فاطر:15-17).
قال ذو النون: "الخلق محتاجون إليه في كل نفس وخطرة ولحظة, فكيف لا ووجودهم به؟!".
وقال سهل: "لما خلق الله الخلق حكم لنفسه بالغنى, ولهم بالفقر, فمن ادعى الغنى حُجِب عن الله, ومن أظهر فقره أوصله فقره إليه".