من سماحة الإسلام مع غير المسلمين
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتمضي الحياة البشرية على أن هناك كفر وإيمان، باطل وحق في تصارع ممتد في كل زمان ومكان، وقد أرسل الله -تعالى- رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم-؛ ليكون خاتم النبيين، ورسولاً للعالمين، من بعثته -صلى الله عليه وسلم- إلى قيام الساعة وقد تحملت أمته من بعده عبء تبليغ دعوته وهداية الناس، وعلى هذا جهود المسلمين وجهادهم من زمن سلفنا الصالح إلى اليوم.
ودين الإسلام هو دين الله -تعالى- الذي ارتضاه لعباده، ولا يقبل من العباد غيره؛ قال الله -تعالى-: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ) (آل عمران:19) ، وقال -تعالى-: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران:85) ، ومع ذلك فالإسلام يأبى أن يدخل أحد فيه مكرهًا أو مجبرًا، وإنما الدخول في الإسلام يجب أن يكون عن اختيار وطواعية، قال الله -تعالى-: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) (البقرة:256) ، وقال الله -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) (يونس:99) .
ولهذا ترك المسلمون عبر فتوحاتهم الكثيرة التي فتحوها عبر القرون الطويلة شعوب البلاد التي فتحوها على معتقداتهم التي هم عليها، ولم يكرهوهم على اعتناق الإسلام -مع إيمانهم بأن الإسلام هو دين الحق وأن ما سواه من المعتقدات هو الباطل- مكتفين بإزالة أنظمة الكفر ودعاته، وتمكين شريعة الله في الأرض؛ ليراها الناس مطبقة أمامهم عيانـًا، فلا يلبثوا إلا قليلاً فيدخلوا في دين الله -تعالى- طواعية وعن رضا إلا من شاء الله -تعالى-، لذا؛ فإن من أعظم ما يميز الفتوحات الإسلامية أنها لا تعرف اضطهاد المخالفين والتحامل عليهم، فما عَرفَ تاريخ الإسلام ما عرفته أوروبا عبر تاريخها من محاكم التفتيش البشعة بما فيها من قتل وتنكيل وتعذيب للمخالفين في الدين باسم الدين، وقد تعرض المسلمون في الأندلس لألوان من التنكيل والتعذيب والقتل، والطرد، والإذلال (1) ؛ لإجبارهم على الدخول في النصرانية عنوة، أو الفرار بدينهم والنجاة بأرواحهم بترك بلادهم؛ حتى خلت الأندلس ممن كانوا فيها من المسلمين!!
ويبقى تاريخ الإسلام الطويل شاهدًا على أن دولة الإسلام في كل زمان ومكان يعيش فيها غير المسلمين، وقد تكفل المسلمون لهم بحرية الاعتقاد وإمكانية البقاء على ما كانوا عليه من الدين قبل قيام دولة الإسلام فيها بلا اضطهاد.
فاليهود -وهم من أسوأ شعوب العالم وأفسدهم- لا يقيمون ببلد إلا وأفسدوا فيه، لذا؛ ثارت عليهم شعوب أوروبا على اختلافها مرات عديدة؛ فلم يجدوا إلا بلاد المسلمين ينعمون فيها بالاستقرار والأمان على ما هم عليه من الطباع السيئة.
ولما طـُرِد اليهود من أسبانيا والبرتغال في مفتتح القرن السادس عشر الميلادي تحول المغرب العربي إلى ملجأ لهم، يقول "درابر" عالم الاجتماع بجامعة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية في كتابه "المنازعة بين العلم والدين": "عامل العرب اليهود في الأندلس في ظل الحكومة الإسلامية أحسن معاملة حتى أثروا وأصبحوا ذوي مكانة عالية في الأدب والفلسفة، فلما تغلب المسيحيون على الأندلس لم يطيقوا اليهود، وأخذوا يتهمونهم باختطاف أولادهم، وفي سنة 1487 شكلت لهم محاكمة تفتيش، فأحرقوا في سنتها الأولى ألفي يهودي، ودفنوا عدة آلاف أخرى، وحكموا على سبعة عشر ألفـًا منهم بالغرامات والسجن المؤبد، وقد أحصي الذين قتلتهم هذه المحكمة في مدى عشر سنين فبلغوا عشرة آلاف وثمانمائة ألفـًا، وبلغ عدد الذين أمرت بتعذيبهم منهم سبعة وثمانين ألفـًا، وأحرقوا نسخ التوراة، وكتبهم الأدبية والفلسفية.... الخ. ثم طردوهم من البلاد كما طردوا العرب قبلهم، فهلك منهم ألوف مؤلفة جوعًا وعطشـًا" "الإسلام دين عام" خالد تأليف: محمد فريد وجدي .
لذا؛ نجد في معظم بلاد المسلمين أقليات غير مسلمة تعيش فيها منذ مئات السنين، وما زالت باقية على دينها رغم أن معظم الشعوب التي فتح بلادها المسلمون دخلت في الإسلام طواعية مختارة؛ فصار الإسلام دينها، واللغة العربية لغتها، وأحكام الإسلام معاملاتها، وذلك؛ لما لمسوه بأنفسهم من سلامة المعتقد، وعدالة الأحكام، وحسن المعاملات ومكارم الأخلاق عند المسلمين، ولا يعني ذلك أن الإسلام يبارك هذه الديانات المخالفة ويقرها على ما هي عليه من الكفر، أو يكن لها الاحترام والتقدير! كيف وهي باطل يخالف الحق الذي جاء به الإسلام؟! ولكنه فقط يترك لمعتنقيها حرية اختيار الاعتقاد؛ لأن الإسلام لا يقبل أن يدخل فيه أي مُكرَه لم تمتلئ نفسه إيمانـًا بصحة هذا الدين، ويبقى آمنـًا في ديار المسلمين طالما أنه يخضع لشريعة الإسلام التي تحكم دولة الإسلام، والتي تراعي حقوق الجميع مسلمين وغير مسلمين بشريعة كلها عدل وحكمة.
والمسلمون يبنون نظرتهم لمخالفيهم في المجتمع المسلم على العدل وتجنب الظلم، وعلى الإحسان في المعاملة وإن لم يصحبها مودة ومحبة (2) ؛ لما يأمرهم بذلك دينهم، قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (المائدة:8) ، فبينت الآية للمسلمين أنه لا ينبغي أن يحملهم ( شَنَآنُ قَوْمٍ ) أي: كراهيتهم لقوم يخالفونهم على مجانبة العدل في أحكامهم معهم، وحذرتهم من ذلك بأن الله خبير بما يعملون، وسيحاسبهم عليه.