شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قيمة الحياة في أهدافها

أحمد السيد • مع الدعاة

ولهذا لما سُئل عبد الله بن المبارك -رحمه الله-: لماذا يجلس الناس إلى بعض الوعاظ والمرشدين فيتأثرون بهم، ويبكون بين أيديهم، تصل الكلمة إلى آذانهم فتسلك طريقها إلى قلوبهم فتستقر فيها، وتترجمها جوارحهم عملا خيّرًا رشيدًا يصدق ما في قلوبهم، فإذا جلسوا إلى آخرين وذكـَّروهم بمثل ما ذكرهم به الأولون وقد يكون الأسلوب أجود، والألفاظ أحلى والأداء مثيرًا، ومع كل هذا فإنهم لا يتأثرون ويقومون من مجالسهم وكأنهم لم يكونوا فيها؟

أجاب ابن المبارك السائل: "ثكلتك أمك، النائحة المستأجرة كمن تبكي ولدها"؟!

ولهذا قالوا: "ليست النائحة المستأجرة كالثكلى".

وقالوا: "ما خرج من القلب وصل إلى القلب وما خرج من اللسان لم يصل إلى الآذان".

ولنتذكر هنا موقف الصحابي ربعي بن عامر مع رستم حين سأله: ما الذي جاء بكم؟ فقال في عزة وإيمان بالفكرة واقتناع بها أثرت في رستم: "الله ابتعثنا لِنـُخرج العبادَ من عبادة العبادِ إلى عبادة رب العباد..." إلخ القول.

وقرين ذلك يلازمه ويفارقه "التحرك الذاتي"؛ فلا ينبغي للأفراد أن يكون تحركهم ونشاطهم ناتجًا عن تأثرهم بالمربي وشخصيته، وإنما يجب أن يكون نابعًا من ذاتيتهم وإيمانهم بضرورة العمل، فهذا من شأنه أن يحفظ عليهم عطاءهم وبذلهم مهما تغيرت الظروف وتبدلت، لذا يجب على المربي أن ينتبه لذلك ويغرس في نفوس الذين يعملون معه دافع الذات والإيمان.

3- الحرص:

حرص الداعي على دعوته وعلى فكرته والتشبث بها وعدم التنازل عن مبادئه واقتناص فرص تبليغها والوصول لأهدافها، وكذلك لا بد أن يشعر المدعو بحرص الداعي عليه، فهذا الشعور يفتح قلبه ويثير عواطفه فإذا به أذن صاغية لما يسمع؛ ولذلك وجدنا القرآن يُذكـِّر أهل مكة بهذه الصفة التي برزت في تعامل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معهم: ( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) (التوبة:128) .

والداعي إلى الله قد يشتد حرصه على من يدعو، ولكنه لا يتلهف على نتائج عمله وثمرة جهده ( إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ ) (الشورى:48) .

وقد يحزن لانصراف الناس عنه وبُعدهم عن دعوته، ولقد غمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الشعور ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ) (الكهف:6) .

والحقيقة أن الداعية الصادق المخلص لله رب العالمين يصاب بالألم والحسرة حين يرى الصد والاستهزاء لدعوته، وهو يؤمن إيمانًا لا يشوبه شك ويقينًا لا يخالطه ريب بأن دعوته دعوة الحق، وأن طريقه هو الصراط المستقيم، فعليه أن يتذكر قول الله وهو يدعو ( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ . أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ . فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِي إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (الزخرف:41-43) ، ومع هذا الذي يتعرض له لا بد أن يُشعر من يدعوهم بالحرص عليهم.

4- التضحية والبذل:

ومعنى ذلك: أن يجود الداعية بكل ما يملك من نفس ومن وقت ومن علم ومن مال حتى يحوز ثقة الناس من ناحية، وحتى يؤثر فيهم وبسرعة من ناحية أخرى.

وحسبنا تضحية النبي -صلى الله عليه وسلم- بكل شيء حتى كتب الله لدعوته النجاح والخلود، وكذلك سائر المسلمين المجاهدين إلى يومنا هذا.

وليس من الممكن أن يتصور عمل من أجل الإسلام يحقق أهدافه دون أن تكون معه تضحيات وبذل وعطاء، وتضحيات بالوقت والجسد وتضحيات بالمال في سبيل الله.

وما عرف المسلمون في ماضيهم عملاً جليلاً نجح وحقق أهدافه دون أن يكون معه تضحيات متعددة؛ فإن الأعمال الكبرى في تاريخ المسلمين كالدعوة إلى الله والجهاد في سبيله وبناء الحضارة الإسلامية ومد رواقها على كثير من بلدان العالم الإسلامي والنهضة العلمية والفنية التي حققها المسلمون في مختلف فترات تاريخهم، كل ذلك ما تم بغير تضحيات، وبذل للوقت والجهد والمال، وابتغاء وجه الله في هذه التضحيات.

ولن يعرف المسلمون في حاضرهم ولا في مستقبلهم عملاً ناجحًا في مجال الدعوة والحركة وكل عمل من أجل الإسلام؛ إلا إذا كانوا مستعدين تمامًا للتضحيات من أجل ذلك بالوقت والجهد والمال، تلك سُنة مضت، وهي سنة حاضرة ماثلة أمام أعيينا، وهي في ذات الوقت سنة العمل الإسلامي في المستقبل.

وقد يوسوس الشيطان -وتلك مهنته- لبعض الغافلين بأن هذه التضحيات انتقاص من حظه في الحياة، ويُحسِّن له أن يوظف وقته وجهده وماله لصالحه هو وحده، وهي والله همزة شيطان رجيم؛ فمن ذا الذي يدعي أنه يملك وقته وجهده وماله على وجه الحقيقة؟

إنها على وجه الحقيقة عَوَارٍ مُسْتـَرَدَّة؛ لأن كل ما نملك من معنويات وماديات هي في الحقيقة منح من الله -تعالى- لنا، وهو وحده القادر على أن يبسط فيها ويقدر، أو يعطي ويحرم وهي كما قلتُ عوار مستردة فكيف يتحامق المستعير فيتصور أنه صاحب ملك؟!

وعلى الرغم من وضوح هذه الحقيقة وأن الله هو المالك الحقيقي لكل شيء وهو المنعم به على عباده؛ فإنه -سبحانه- من باب التفضل علينا وعلى آبائنا وعدَنا بأنا لو بذلنا من هذه الأشياء شيئـًا في سبيله أعطانا في مقابله الأجر وأجزل الثواب، أعطانا الجنة وهي غاية ما يطمح إليه المؤمن في أخراه؛ فقد قال -تعالى-: ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ) (التوبة:111) ، وذلك هو البيع الرابح كما قال أسلافنا -رضوان الله عليهم- في وصف البيع.

وليتذكر الداعي أن الإسلام لم يَصِله لولا التضحيات؛ فلينتظمْ في سلك خير قوم ضحوا بالغالي والرخيص في سبيل إيصال الدين، وفي سبيل الدين.

الصفحة السابقة