قلعة الأسرة من يحميها؟ 8- قبل أن ينهدم الحصن
ياسر عبد التواب • المرأة والأسرة
قلعة الأسرة من يحميها (8) قبل أن ينهدم الحصن
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
تدريب الأطفال على العبادة:
فإن حق الأطفال في التدليل والمداعبة لا يمنع من تدريبهم على العبادة بما يتناسب مع أعمارهم وقدراتهم وطبيعة التكوين البدني لديهم، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مُرُوا أَوْلاَدَكُـمْ بِالـصَّلاَةِ وَهُـمْ أَبْـنَاءُ سَبْـعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُـوهُمْ عَلَيْهَا وَهُـمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَـرِّقُـوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني) .
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( عَلِّمُوا أَوْلاَدَكُمْ الصَّلاَة إِذَا بَلَغُوا سَبْعًا، واضرِبُوهم عَليْها إِذَا بَلَغُوا عَشْرًا، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ) (رواه البزار، وصححه الألباني) .
كما كان للأطفال صفوف في المسجد للصلاة خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكانت صفوفهم فاصلة بين صفوف الرجال وصفوف النساء، كما روي ذلك في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، فعن عبد الرحمن بن غنم قال: قال أبو مالك الأشعري -رضي الله عنه- لقومه: "أَلاَ أُصَلِّى لَكُمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَصَفَّ الرِّجَالُ ثُمَّ صَفَّ الْوِلْدَانُ خَلْفَ الرِّجَالِ ثُمَّ صَفَّ النِّسَاءُ خَلْفَ الْوِلْدَانِ".
وروي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: "حافظوا على أبنائكم في الصلاة، وعودوهم الخير، فإن الخير عادة".
وأخرج أحمد والطبراني عن أبي الحوزاء قال: قلت للحسن بن علي -رضي الله عنه وعن أبيه-: "ما حفظت من النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: الصلوات الخمس" (قال الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات) .
وها هي الربيع بنت معوذ تذكر أنهم كانوا يدربون أبناءهم على الصيام كما جاء ذلك في صحيحي البخاري ومسلم عَنِ الرّبَيّعِ بِنْتِ مُعَوّذِ بْنِ عَفْرَاءَ -رضي الله عنهما- قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم- غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَىَ قُرَىَ الأَنْصَارِ، الّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ: ( مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا؛ فَلْيُتِمّ صَوْمَهُ. وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا؛ فَلْيُتِمّ بَقِيّةَ يَوْمِهِ ). فَكُنّا، بَعْدَ ذَلِكَ، نَصُومُهُ. وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصّغَارَ مِنْهُمْ، إِنْ شَاءَ اللّهُ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ. فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ. فَإِذَا بَكَىَ أَحَدُهُمْ عَلَىَ الطّعَامِ، أَعْطَيْنَاهَا إِيّاهُ عِنْدَ الإِفْطَارِ.
كما أن ذلك لا يمنع -أيضًا- من تدريبهم على الامتناع عن المحرمات والممنوعات والمكروهات وما لا يليق، فإن من شبَّ على شيء؛ شاب عليه، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيَ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصّدَقَةِ. فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( كخ كخ. ارْمِ بِها. أَمَا عَلِمْتَ أَنّا لاَ نَأْكُلُ الصّدَقَةَ؟! ) (متفق عليه) .
أما الذي نراه اليوم من الإغراق في التدليل، والإكثار من تلبية رغبات الطفل -بسبب وبدون سبب-؛ فإنه يؤدي إلى نشوء جيل تافه التفكير محدود الاهتمامات يتمحور حول ذاته، وتأسره شهواته.
إن همم الصحابة وأبنائهم كانت عالية حتى رأينا تنافس الصغار على الجهاد في سبيل الله -تعالى-، وكثيرًا ما رد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صغار الصحابة عن الالتحاق بالجيش؛ لصغر سنهم أو ضآلة أجسامهم، ولكنهم كانوا يحاولون ويعيدون الكرة طالبين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الالتحاق بالجيش؛ لنيل شرف الجهاد في سبيل الله.
وعن سمرة بن جندب قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعْرِضُ غِلْمَانَ الأَنْصَارِ، فِي كُلِّ عَامٍ فَيُلْحِقُ مَنْ أَدْرَكَ مِنْهُمْ -يعني: البلوغ-، قَالَ: فَعُرِضْتُ عَامًا، فَأَلْحَقَ غُلاَمًا، وَرَدَّنِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدْ أَلْحَقْتَهُ وَرَدَدْتَنِي وَلَوْ صَارَعْتُهُ لَصَرَعْتُهُ. قَالَ: ( فَصَارِعْهُ ) فَصَارَعْتُهُ؛ فَصَرَعْتُهُ فَأَلْحَقَنِي" (رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح) .
وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يتطاول بالوقوف على أصابعه عسى أن يظهره ذلك أكبر من حجمه وسنه فيُجاز؛ ففي "الصحيحين" عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "عَرَضَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْقِتَالِ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي".
حول تشغيل الأطفال:
عندما نتكلم عن تشغيل الأطفال فإننا لا نقصد بذلك المنع التام أو الإباحة المطلقة، فالأصل أن يلقى الطفل في مرحلة طفولته نوعًا من الاستقرار في أسرته، ونوعًا من الرعاية، وكذلك ينال قسطه من الراحة واللعب واللهو والتدليل، كما تتاح له فرصته الكاملة في الجلوس إلى والديه يكتسب منهما خبرة الحياة، ولذلك؛ فإن هذا الموضوع لا بد من ضبطه من عدة وجوه، منها:
1- الحاجة إلى العمل، فقد يكون للوالدين حاجة ملحة للمساعدة في نفقات الأسرة -وذلك بعد استنفاذ كل الوسائل المباحة-، فإن لم يكن هناك سبيل لديهم إلا تشغيل الأطفال فلا بأس.. وإذا كانت ثَمَّ مسئولية تقع على الوالدين، فمسئولية أخرى تقع على عاتق الدولة لكفاية الأسرة عن تشغيل أطفالها.