العقيدة في الصحابة والخلافة والإمامة (2-2) فضل الصحابة
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وأما في أصحاب اليمين فقال تعالى-: (ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ) (الواقعة:40-39) ، ويظهر بذلك أن التفضيل بعد السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار إنما هو للمجموع، لمجموع الصحابة على مجموع التابعين، ومجموع التابعين على مجموع تابعي التابعين، ومجموع تابعي التابعين على من يأتي بعدهم، أما أن يكون التفضيل لكل واحد منهم، فهذا لا يلزم من الأدلة، والله أعلى وأعلم.
فلا شك أنه كان فيمن صحب النبي - صلى الله عليه وسلم- من قال الله - تعالى- فيهم : ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) (الحجرات:14) ، والظاهر أنهم ليسوا منافقين النفاق الأكبر، ولكن فيهم خصال النفاق، ولقد كان النفاق الأصغر موجودًا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: ( آيَةَ الْمُنافِق ثَلاثٌ: إِذا حَدَّثَ؛ كَذَب، وَإِذا وَعَد؛ أَخْلَفَ، وَإِذا اؤْتُمِنَ؛ خَانَ ) (متفق عليه) .
وكذلك وجد فيهم من ارتكب الكبائر، فلا يصح تفضيل كل واحد من هؤلاء على أفاضل الأمة الذين أتوا بعد ذلك من التابعين وتابعي التابعين فمن بعدهم من أئمة الأمة، والله أعلى وأعلم.
وقد كان في المجتمع المسلم في المدينة جميع الأنواع: المنافق الذي هو في الأسفل من النار، ومن فيه شعبة من النفاق، ومن مؤمن الإيمان الواجب، ومن هو مؤمن الإيمان الكامل المستحب بعد ذلك، وسوف يوجد في المسلمين -كذلك- هذه النوعيات.
فالصحيح في ذلك تفضيل مجموع الصحابة على مجموع من يأتي من بعدهم، وكذا مجموع التابعي، ومجموع تابعي التابعين، أما السابقون الذين وصف الله تعالى- صدقهم وسبقهم من الصحابة، فلا شك أنهم أسبق من السابقين من غيرهم، والله أعلى وأعلم. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْل أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلاَ نَصِيفَه ) (متفق عليه) ، أي: لو أنفق أحد الناس مثل جبل أحد ذهبًا في سبيل الله ما بلغ إنفاق الصحابي ملء كفيه في سبيل الله؛ لأن الله تعالى- أقام الإسلام بنفقات هؤلاء الصحابة، وإنما أسلم من بعدهم بنفقاتهم وإن كانت قليلة، ولكن الله تعالى- أقام الإسلام بها ، ولذلك كان إنفاقهم أعظم من إنفاق غيرهم، وأكثر مضاعفة، بل في الحقيقة إنفاق غيرهم إنما هو في ميزان حسناتهم؛ لأن إسلام غيرهم كان بجهادهم.
ولقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم- لخالد بن الوليد في شأن مخاصمته لعبد الرحمن بن عوف عندما نال منه خالد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابي ) نعم، فمن الذي كان سببًا في إسلام خالد، وفي بقاء الإسلام وفي أن يعبد الله في الأرض إلا أهل بدر؟!، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لاَ تَعْبُدْ فِي الأَرْضِ ) (رواه مسلم) ، قال ذلك في غزوة "بدر".
وكذلك ثبات المؤمنين في غزوة الأحزاب، أيام أن كان خالد مشركًا، بل كان يقاتل في صف الكفار.
وإذا كان الأمر كذلك؛ تبين لنا فعلاً أنه لولا فضل الله على هؤلاء الصحابة بالنفقة؛ لما دخل من بعدهم في الإسلام، ولو أنفقوا -أي: الذين جاءوا من بعدهم- مثل أحد ذهبًا بعد ذلك في الإسلام -وما أنفقوا بالفعل- ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فكيف بمن يأتي بعدهم؟! وجهاد خالد معلوم، وأكثر الأمم في العراق والشام وسائر البلاد كان دخولهم في الإسلام بفضل الله أن وفق خالدًا –رضي الله عنه- ومن معه من الصحابة الكرام للجهاد في سبيل الله وفتح البلاد.
لذلك ينطبق هذا الأمر على كل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- في حق من أتى بعدهم، وينطبق على من طالت بالنسبة لمن قصرت أو تأخر إسلامه إلى ما بعد الحديبية، والله أعلى وأعلم.
