الشعر في حياة الصالحين
عصام حسنين • منوعات
واستنشد -صلى الله عليه وسلم- الشعر من الشريد حيث قال الشريد: رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا فَقَالَ: ( هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ شَيْئًا ). قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ( هِيهِ ). فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا فَقَالَ: ( هِيهِ ). ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا فَقَالَ: ( هِيهِ ). حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ. (رواه مسلم) .
قال القرطبي -رحمه الله-: "في هذا دليل على حفظ الأشعار، والاعتناء بها إذا تضمنت الحكم والمعاني المتسحسنة شرعًا وطبعًا، وإنما استكثر النبي -صلى الله عليه وسلم- من شعر أمية؛ لأنه كان حكيمًا، ألا ترى قوله -عليه الصلاة والسلام-: ( وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ ).
وقال ابن بطال -رحمه الله-: "ما كان من الشعر والرجز ذكر الله -تعالى- وتعظيم له ووحدانيته وإيثار طاعته والاستلام له، فهو حسن مرغب فيه، وهو المراد في الحديث بأنه حكمة وما كان كذبًا وفحشًا فهو مذموم" اهـ من الفتح 10/662 .
الشعر المذموم:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا ) (متفق عليه) .
قال البخاري: "باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن"، والقيح: المِدة يخالطها دم.
قال أبو عبيد -رحمه الله-: "وجهه عندي أن يمتلئ قلبه من الشعر حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن وعن ذكر الله، فيكون الغالب عليه، فأما إذا كان القرآن والعلم الغالبين عليه فليس جوفه ممتلئًا من الشعر" اهـ من الفتح 10/674 .
قال ابن حجر -رحمه الله-:
"تنبيه: مناسبة هذه المبالغة في ذم الشعر أن الذين خوطبوا بذلك كانوا في غابة الإقبال عليه، والاشتغال به، فزجرهم عنه؛ ليقبلوا على القرآن، وعلى ذكر الله -تعالى- وعبادته، فمن أخذ من ذلك ما أمر به لم يضره ما بقي عنده مما سوى ذلك".
ونقل عن ابن أبي جمرة قوله: "ويلحق بالشعر المذموم والامتلاء من السجع مثلاً، ومن كل علم مذموم كالسحر وغير ذلك من العلوم التي تقسي القلب وتشغله عن الله -تعالى-، وتحدث الشكوك في الاعتقاد، وتفضي به إلى التباغض والتنافس" اهـ من الفتح 10/674، 675 .
وهل قال النبي -صلى الله عليه وسلم- الشعر؟!
قال الله -تعالى-: ( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ) (يس:69) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "يقول الله -تعالى- مخبرًا عن نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- إنه ما علمه الشعر وما ينبغي له، أي: وما هو في طبعه، فلا يحسنه ولا يحبه ولا تقتضيه جبلته ولهذا ورد أنه -عليه الصلاة والسلام- كان لا يحفظ بيتًا على وزن منتظم، بل إن أنشده زحَّفه أو لم يتمه... وما ورد من ذلك تامًا أو على وزن الشعر، فإما قاله -صلى الله عليه وسلم- تبعًا لقول أصحابه كما ثبت في الصحيحين أنه -عليه الصلاة والسلام- تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- تبعًا لأصحابه الذين كانوا يرتجزون وهم يحفرون، فيقولون:
اللَّهُمَّ لَوْلاَ أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا
فـَأَنـْزِلـَنْ سَكـِـيـنـَةً عـَلَيْنَا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا
إِنَّ الأَعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا عَـلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فـِتـْنـَةً أَبَـيْنَا
فيرفع صوته -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ( أَبَـيْنَا )، ويمدها.
أو يقوله اتفاقًا من غير قصد لوزن الشعر، بل جرى على اللسان من غير قصد إليه، كما قال يوم حنين -كما في الصحيحين- وهو راكب البغلة يقدم بها في نحور العدو:
أَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
- وكذلك ما ثبت في الصحيحين عن جندب بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: دَمِيَتْ إِصْبَعُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي بَعْضِ تِلْكَ الْمَشَاهِدِ فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-:
هَلْ أَنْتِ إِلاَّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
انتهى ملخصًا من التفسير 11/376 وما بعدها .
قال ابن حجر -رحمه الله-: "اختلف هل قاله -أي بيت الشعر آنفًا- النبي -صلى الله عليه وسلم- متمثلاً أو قاله من قِبل نفسه؛ غير قاصد لإنشائه فخرج موزونًا؟
بالأول جزم الطبري وغيره، ويؤيده أن ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" أوردهما لعبد الله بن رواحة، قالهما يوم مؤتة لما أصيب فارتجز، وهكذا جزم ابن التين" اهـ (الفتح 10/664) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وكل هذا لا ينافي كونه -صلى الله عليه وسلم- ما عُلِّم شعرًا، ولا ينبغي له فإن الله -تعالى- إنما علمه القرآن العظيم الذي ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ )" اهـ من التفسير 11/279 .
وقد كان هذا منه -صلى الله عليه وسلم- على الندرة، بل كان أبغض الحديث إليه كما قال أبو نوفل: سَأَلْتُ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُتَسَامَعُ عِنْدَهُ الشَّعْرُ؟ قَالَتْ: كَانَ أَبْغَضَ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ. (رواه أحمد، وصححه الألباني) . والله -تعالى- المستعان.
الصحابة والشعر
قال أبو عمر القرطبي -رحمه الله-: "وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر أو تمثل به أو سمعه فرضيه ما كان حكمة أو مباحًا... " تفسير القرطبي 13/105 .
وقال ابن حجر -رحمه الله-: "وأسند الطبري عن جماعة من كبار الصحابة ومن كبار التابعين أنهم قالوا الشعر وأنشدوه، واستنشدوه، وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" عن خالد بن كيسان قال: كنت عند ابن عمر -رضي الله عنهما- فوقف عليه إياس بن خيثمة، فقال: ألا أنشدك من شعري؟ قال: بلى، ولكن لا تنشدني إلا حسنًا".