الشعر في حياة الصالحين
عصام حسنين • منوعات
قال الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله-: "لا أعرف في خُطب النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا في خطب الصحابة -رضي الله عنهم- الاستشهاد بالشعر ببيت فصاعدًا، وعلى هذا جرى التابعون لهم بإحسان، فقد استمرأ بعض الخطباء في القرن الرابع عشر تضمين خطبة الجمعة البيت من الشعر فأكثر، بل ربما صار الاستشهاد بمقطوعات شعرية متعددة، وربما كان إنشاد بيت لمبتدع أو زنديق أو ماجن.
والمقام في خطبة الجمعة مقام له خصوصيات متعددة يخالف غيره من المقامات في الدروس والمحاضرات والوعظ والتذكير، وهو مقام عظيم؛ لتبليغ هذا الدين صافيًا يجهر فيها الخطيب بنصوص الوحيين الشريفين وتعظيمهما في القلوب والبيان عنهما بما يليق بمكانتهما ومكانة فرائض الإسلام فلا أرى لك أيها الخطيب للجمعة إلا اجتناب الإنشاد في خطبة الجمعة تأسيًا بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو بك أجمل وبمقامك أكمل. -والله المستعان-" اهـ من تصحيح الدعاء ص99 .
الشعر والغناء
قال ابن حجر -رحمه الله-: "واستدل بجواز الحداء على جواز غناء الركبان المسمى بالنصب، وهو ضرب من النشيد بصوت فيه تمطيط، وأفرط قوم فاستدلوا به على جواز الغناء مطلقًا بالألحان التي تشتمل عليها الموسيقى، وفيه نظر" اهـ الفتح ملخصًا ج10/668 .
قال ابن القيم -رحمه الله-: "لا اختلاف بين علماء الكوفة في تحريم الغناء، وكذلك لا اختلاف بين أهل البصرة.
ومذهب أبي حنيفة في ذلك من أشد المذاهب في ذلك... وصرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها كالمزمار والدف حتى الضرب بالقضيب، وصرحوا بأنه معصية يوجب الفسق وترد به الشهادة، وأبلغ من ذلك أنهم قالوا: إن السماع فسق والتلذذ به كفر... وقالوا: ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مر به أو كان في جواره...
وقال الشافعي: إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل والمحال، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته. وصرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه.
وقال الإمام أحمد: الغناء ينبت النفاق في القلب لا يعجبني، وقال: سمعت يحيى القطان يقول: لو أن رجلاً عمل بكل رخصة بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة؛ لكان فاسقًا.
وقال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم أو زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله.
ونص على كسر الآت اللهو كالطنبور وغيره إذا رآها مكشوفة وأمكنه كسرها" اهـ ملخصًا من إغاثة اللفهان 1/196 وما بعدها .
وليعلم العبد المؤمن أن الدنيا دار ابتلاء، وأنه مسجون فيها عن الشهوات المحرمة، ومنها: التلذذ بالغناء المحرم، حتى إذا خرج من نصب الدنيا إلى رحمة الله -تعالى- متـَّعه الله -عز وجل- بسماع أصوات الحور العين في الجنة، وأيضًا جعل الله -تعالى- للمؤمن في الدنيا عوضًا عن هذه اللذة المحرمة بلذة أخرى مباحة؛ وهي لذة الاستماع إلى القرآن الكريم من ذي صوت حسن ماهر بالقرآن من عباد الله المؤمنين كما كان عمر -رضي الله عنه- يقول لأبي موسى: ذكرنا ربنا، فيتلو من كتاب الله -تعالى-.
قال ابن تيمية -رحمه الله-: "فهذا كان استماعهم، وفي مثل هذا السماع كانوا يستعملون الصوت الحسن، ويجعلون التذاذهم بالصوت الحسن عونًا لهم على طاعة الله وعبادته باستماع كتابه، فيثابون على هذا الالتذاذ، إذ اللذة المأمور بها المسلم يثاب عليها كما يثاب على أكله وشربه ونكاحه، وكما يثاب على لذات قلبه بالعلم والإيمان؛ فإنها أعظم اللذات وحلاوة ذلك أعظم الحلاوات" اهـ من الاستقامة 1/192 .
تلاوة القرآن بطريقة الإنشاد والألحان
قال ابن القيم -رحمه الله-: "كان له -صلى الله عليه وسلم- حزب يقرؤه ولا يخل به، وكانت قراءته ترتيلاً لا هذَّا ولا عجلة، بل قراءة مفسرة حرفـًا حرفًا. وكان يقطع قراءته آية آية، وكان يمد عند حروف المد؛ فيمد الرحمن، ويمد الرحيم... وكان يحب أن يسمع القرآن من غيره، وأمر عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فقرأ عليه وهو يسمع.
وخشع -صلى الله عليه وسلم- لسماع القرآن منه حتى ذرفت عيناه. وكان يقرأ القرآن قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا ومتوضئًا ومحدثـًا... "، إلى أن قال: "وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعًا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة التي هي إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرءوا بها ويسوغوها، ويُعلم -قطعًا- أنهم كانوا يقرءون بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقرآن، ويقرءونه بشجن تارة، وبطرب تارة، وبشوق تارة، وهذا أمر مركوز في الطباع تقاضيه ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقال: ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ )، وفيه وجهان أحدهما: أنه إخبار بالواقع الذي كلنا نفعله، والثاني: أنه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه وطريقته -صلى الله عليه وسلم-" اهـ من زاد المعاد 1/134 وما بعدها .
وقال الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله-: "التلحين في القراءة تلحين الغناء والشعر، مسقط للعدالة، ومن أسباب رد الشهادة قضاءً، وكان أول حدوث هذه البدعة في القرن الرابع الهجري على أيدي الموالي" اهـ من بدع القراء .
- لما حدثت هذه الألحان أنكرها الصحابة -رضي الله عنهم-:
قال الدارمي -رحمه الله- في سننه: "باب كراهية الألحان في القرآن"، وذكر بسنده عن أيوب قال: حدثني آل سالم بن عبد الله قال: "قدم سلمة البيذق المدينة فقام يصلي بهم، فقيل لسالم: لو جئت فسمعت قراءته؟ فلما كان بباب المسجد سمع قراءته رجع، فقال: "غناءٌ.. غناء" رقم: 3495.
وذكر بسنده عن الأعمش قال: "قرأ رجل عند أنس بلحن من هذه الألحان فكره ذلك أنس" رقم: 3502.
وختم سننه بأثر عن ابن سيرين قال: "كانوا يرون هذه الألحان في القرآن محدثة" رقم: 3503، وقال محقق السنن: "صحيح موقوف. وإنما فعلوا ذلك؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حذرهم منها".
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "والغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والانقياد للطاعة فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي، فالقرآن يُنزه عن هذا ويجل، ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب!