آداب زيارة المسجد النبوي
ياسر عبد التواب • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فزيارة المسجد النبوي وشد الرحال إليه أمر مستحب لا خلاف في ذلك البتة، فهو من القُربات التي انعقد الإجماع على استحبابها؛ كيف لا وهو حرم رسول الله، ودار هجرته ومهبط وحيه؟!
وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم-، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى )؛ وفي رواية لمسلم: ( إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ ) -ومسجد إيلياء هو: المسجد الأقصى-، وعند ابن حبان بلفظ: ( إنما الرحلة إلى ثلاثة مساجد... )؛ وللشيخين من حديث أبي سعيد مرفوعًا: ( لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى )، ورواية مسلم: ( لا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى )، ورواه أحمد: ( إِنَّمَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَمَسْجِدِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ ).
قال ابن حجر -رحمه الله-: "والرحال بالمهملة جمع رحل؛ وهو للبعير كالسرج للفرس، وكنى بشد الرحال عن السفر؛ لأنه لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور. ويدل عليه قوله في بعض الروايات: ( إِنَّمَا يُسَافَرُ )".
قلت: ويدخل فيها وسائل المواصلات الحديثة من: سيارات، وطائرات، وغيرها... وهذه أدلة صحيحة صريحة في أن الرحال لا تُشد إلا إلى هذه المساجد التي سمَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا فهم الصحابة -رضي الله عنهم-، فعند مالك وأحمد والنسائي وابن حبان -بسند صحيح-: لَقِيَ أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَهُوَ جَاءٍ مِنَ الطُّورِ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنَ الطُّورِ صَلَّيْتُ فِيهِ؛ قَالَ: أَمَا لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَرْحَلَ إِلَيْهِ مَا رَحَلْتَ! إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ( لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى ).
وعند ابن أبي شيبة عن قزعة قال: "سألت ابن عمر -رضي الله عنهما- آتي الطور؟ قال: دع الطور ولا تأتيها؛ وقال: لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد".
ورواه عبد الرزاق عن عرفجة قال: "قلت لابن عمر -رضي الله عنهما-: إني أريد أن آتي الطور! قال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد الرسول، ودع عنك الطور فلا تأته".
والمعنى -والله أعلم-: لا تشد الرحال إلى مكان للعبادة إلا ما ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيخرج من ذلك سفر التجارة ونحوه مما هو مباح.
فقد تبيَّن من هذه الأحاديث أن شد الرحال إنما يكون إلى المساجد الثلاثة، وعليه فإذا أراد المسلم زيارة مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعليه أن ينوي زيارة المسجد النبوي، ويكون قصده شد الرحال إليه.
الآداب المتعلقة بزيارة مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-:
ينبغي للمسلم أن يستشعر عظمة منة الله عليه في توفيقه لزيارة المسجد النبوي، ويستحضر في قلبه شرف المدينة وأنها أفضل البقاع بعد مكة؛ وهناك آداب تتعلق بهذه العبادة نوجزها في الآتي:
1- معرفة فضل مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
هي مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودار هجرته ومثواه بعد موته -صلى الله عليه وسلم-، بها قامت دولة الإسلام وانتشر منها نور الهداية إلى جميع بقاع الأرض، وهي أفضل البقاع بعد مكة عند الجمهور، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في فضلها ما يلي:
- من يصبر على شدتها كان النبي -صلى الله عليه وسلم- له شفيعًا أو شهيدًا: فقد روى مالك ومسلم عَنْ يُحَنَّسَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنه- فِي الْفِتْنَةِ فَأَتَتْهُ مَوْلاةٌ لَهُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَقَالَتْ: إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! اشْتَدَّ عَلَيْنَا الزَّمَانُ، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: اقْعُدِي لُكَعُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ( لا يَصْبِرُ عَلَى لأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إِلا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ).
وروى أحمد ومسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لَيَالِيَ الْحَرَّةِ فَاسْتَشَارَهُ فِي الْجَلاءِ مِنَ الْمَدِينَةِ وَشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنْ لا صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلأْوَائِهَا، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ لا آمُرُكَ بِذَلِكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ( لا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لأْوَائِهَا فَيَمُوتَ إِلا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا ).
وعند مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( لا يَصْبِرُ عَلَى لأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي إِلا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ شَهِيدًا )، ورواه أحمد عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ -رضي الله عنها- أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ( لا يَصْبِرُ عَلَى لأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إِلا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ).