"قبول الآخَر" رفض للشرع وتناقض مع النفس
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
وأما الآخر الذي يمكن قبوله وفق الأدلة الشرعية فهو ما كان الاختلاف فيه من الخلاف المقبول شرعًا وهو ما لا يصادم نصًا من الكتاب أو السنة أو الإجماع القديم أو القياس الجلي من دقائق المسائل كما في قوله -تعالى-: ( فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) (الأنبياء:79) ، أو من المسائل التي جاء الشرع بصحة أكثر من مسلك في أدائها كتعدد القراءات الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- للآية الواحدة.
وهذا النوع الذي يقبل فيه الآخر شرعًا لا يكاد يخطر على بال أحد من المنادين بهذا الشعار فجلهم من العلمانيين الذين يطالبون المسلمين بقبول الأديان الكفرية، والكف حتى عن وصفها بالكفر فضلاً عن نقدها، وبعدهم من القوميين أو القوميين الإسلاميين أو من الإسلاميين أصحاب الأفكار التجميعية الذين يطلبون من الملتزمين بالسنة قبول البدعة والكف عن نقدها، وهؤلاء وأولئك مخالفون لدين الله -عز وجل-، وكما هو الحال في كل فكرة مخالفة للشرع فلابد وأن تجد فيها تناقضا ذاتيًا مصداقـًا؛ لقوله -تعالى-: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ) (النساء:82) ، وأصحاب فكرة قبول الآخر يتناقضون تناقضات فجة ويتحولون إلى أشد درجات رفض الآخر، ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة:
المثال الأول: وهو مما يقع منهم كلهم تقريبًا حينما يبالغون في الإنكار على السلفيين بتشنج بالغ؛ لأنهم رفضوا فكرة قبول الآخر، وكان ينبغي عليهم إذ قبلوا اليهود الذين يرون أن جميع العالم ينبغي أن يكون حميرًا لشعب الله المختار، والنصارى الناسبين لله الصاحبة والولد، والملحدين وغيرهم أن يعتبروا أن رافضي هذه الفكرة هم بالنسبة لهم أحد "الآخَرين" الذين ينبغي أن يقبلوهم، ولكن الواقع أن لكل أحد مرجعية عليا لا يقبل فيها خلافـًا، ويقبل الخلاف في كل ما عداها طالما لم يخل بها، هذه الفكرة عند الغرب هي الحرية و الديمقراطية، وعند "الآخرين" هي قبول الآخر، وينبغي أن تكون عند المسلمين هي: "الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة"، ونحن نقبل كل خلاف لا يخل بهذا الأصل، ونرفض كل خلاف يخل به كحالهم تمامًا مع أصلهم في قبول الآخر ورفض، بل و"إقصاء" من يرفضه.
وقريب من هذا موقف الدعوات التي ترفع شعار "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"، ويُطبَّقون هذه القاعدة على أصحاب البدع، بل على من هم من شر أصحاب البدع كـ"الروافض"، وعندما يرفض السلفيون تلك القاعدة لا يعاملونهم بها وإنما يحملون عليهم ويتهمونهم بأنهم هم سبب بلاء الأمة.
فإذا كانت هذه القاعدة عند هذه الاتجاهات مما لا يسوغ فيها الخلاف ولا يقبل فيها "الآخر" مع مخالفتها للقاعدة النبوية عند ظهور الخلاف: ( فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ) فنحن نرى أن القاعدة النبوية مما لا يجوز فيها الخلاف، ومما لا يجوز "مجاملة الآخرين" على حسابها.
المثال الثاني: يحاول بعض متطرفي "الآخرين" أن يستحضروا أصحاب "وحدة الوجود" و"وحدة الأديان": كالحلاج، وابن عربي كنماذج صارخة على قبول الآخر، وفي الواقع أن الحلاج وابن عربي تصوروا أن الله هو بعينه كل الكون أو حل فيه على الأقل، وبالتالي فكل من اختار صورة من هذا الكون للعبادة فهي وفق معتقدهم إحدى صور الحق، ولكن ماذا لو قال أحد أن معبوده هو الإله الحق، وأن الباقي ليسوا كذلك، الواقع أن سيرة الحلاج وابن عربي تدل على أنهما لم يقبلا ذلك الآخر فهذا الحلاج يبالغ في الإنكار والمخاصمة لصاحب له؛ لأنه رآه يسب دين اليهود! وهذا ابن عربي لا يكف في "فتوحاته" عن سب الأشاعرة والحنبلية على حد وصفه لما لهم من آراء تساهم في حد الخالق من وجهة نظره.
ولنا أن نتصور ماذا لو ناظر الحلاج أو ابن عربي يهوديًا أو نصرانيًا ووجد أن كلاً منهم يقول بأن ملته هي الحق وأن ما عداها باطل؟
القياس المنطقي يقول أنهما كانا سينكران عليهما؟ ولكن مثل هذه المواجهة لم تحدث؛ لأن الشياطين التي تحرك هذه الأفكار الهدامة تحركها صوب الحق لهدمه بينما تزيد الكفار حرصًا على دينهم ( وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ ) ورغبة في إزالة دين الحق.
المثال الثالث: الدكتور "زقزوق" رجل من أشد المؤمنين بفكرة قبول الآخر حتى أن توجيهاته لخطبائه لا تخرج عادة عن الـتأكيد على هذا المعنى؛ مع أنه في ذات الوقت من أشد الناقدين للسلفية الساخرين منها!
وفي سياق ذلك جاءت كلمته التي ألقاها خلال الندوة التي عقدها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية أمس ضمن الموسم الثقافي بمسجد النور، ونقلت جريدة المصريون الإلكترونية مقتطفات منها بتاريخ 4 - 5 - 2010، والتي قال فيها عن أصحاب اللحى الطويلة: "إن أصحاب الذقون التي تصل إلى الصدر يعتبرون ذلك دليلاً على العلم في حين أن "لحية أبي جهل" كانت أطول من اللحى التي نراها اليوم"!
وطبعًا هذا نوع من رفض "لحية السلفيين" لا نظنه يمكنه أن يقول أو أن يسمح لأحد من خطبائه أن يقله على "لحية قسيس" أو "حاخام"! ولكن الذي يستوقفك هنا ليس معاملته للسلفية بنظرية الرفض المطلق؛ فهذا ليس بجديد عليه، ولكن هجومه اللاذع على "أبي جهل" مما يدل أن احترام الرجل للآخر ليس نابعًا من قناعة، وإنما نابعًا من حسابات أخرى، ولا أظن أن "أبا جهل" أو مشركي العرب بصفة عامة كان فيهم ما يستدعي إخراجهم من قاعدة احترام الآخر عند من يتشدق بها، بل إن أبا جهل هو الذي سعى في محاولات المداهنة التي قال الله فيها: ( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ )، وبالطبع نحن نعادي "أبا جهل" قريش كما نعادي كل رؤوس الكفر وما أكثرهم في زماننا، وما أشبه حقدهم على أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- بحقد أبي جهل عليه!
عمومًا فإن اعتبار الدكتور "زفزوق" لأبي جهل أنموذجًا يُضرب به المثل في السوء أمر يدل على أن الحق ما زال يجد له صدى في القلوب طالما لم تكن هناك مؤثرات خارجية، ويبقى الدكتور مطالبًا بتوضيح الفرق بين أبي جهل الأمس ونظرائه اليوم، ونحن منتظرون (2) .