ورحل الفارس
الشيخ ياسر برهامي • حدث وتعليق
تعلمت من علاقتي بالدكتور وليد السعيد أن الحب الصادق في الله وإن كان يزيد بالبر -لأن الله أمر بالبر فلابد وأن يكون له أثره في الخير- فإنه لا ينقص بالجفاء، وإن كانت العبارة المشهورة المنقولة عن بعض السلف أنه "لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفا"، لكن الحقيقة أنه يزيد بالبر ولا ينقص بالجفا؛ لأنه حب لغير مصلحة دنيوية ولغير حظ نفس، وجدت نفسي ومشاعري تجاه د. وليد خلال فتره مرضه وقبلها وأثناء غسله وجنازته بالفعل كأني فقدت أحد أبنائي وربما أشد، فعلمت أن الاشتراك في الدعوة إلى الله والتعاون على البر والتقوى لا تبدله الاختلافات، ويبقى أثره في جذور القلب لا يتزعزع، فاستبشرت خيرًا.
فكم نختلف في الدعوة، وفي التقديم والتأخير، والإقدام والإحجام، والفعل والترك؛ لكن يبقى المنهج الواحد منهج أهل السنة والجماعة على طريق السلف محورًا لا يخرج من فلكه إلا المحروم، يبقى هذا المنهج يعصم الله به من الانحراف والهلكة، فمع البقاء والثبات عليه فإذا بصدإ الاختلاف يصقل ويزول، وإذا بمعدن الحب الصادق تحته براق لامع؛ لأنه معدن أصيل أغلى من الذهب، والصدأ الذي علاه ليس منه؛ بل هو مجرد أتربة وزبد أجنبي عن المعدن الأصيل، بنفخة يزول ويطير، فليبشر كل من تعاونوا على نصرة الإسلام وصدقوا في رغبتهم في ظهور الحق وإعلاء كلمة الله؛ فكلما تطهروا من الحقد والحسد والبغضاء وحظ النفس، وطالما زكوا أنفسهم وتخلصوا من الرياء والسمعة وحب الرياسة؛ فستتحول خلافاتهم إلى وفاق، ونزاعهم إلى حب يومًا من الدهر أصابهم قبل هذا اليوم ما أصابهم.
أُوصي والدي د. وليد وأهله وأولاده أن لا يبكوا على وليد؛ فقد مضت بالأمس ثلاث ليالٍ على رحيله؛ فإن ما عند الله خير للمؤمن من الدنيا وما عليها، وعلامات حسن الخاتمة من عمل صالح وُفق له قبل مرضه الذي أفضى به إلى ربه لم يوفق له إلا الأفذاذ وربما لم يوفق له شيوخه ومن سبقوه بالزمان في طريق الدعوة، ومِن صبر على المرض، وحسن ظن بالله، ومِن ذكره دائمًا لله -سبحانه- على فراش الموت رغم مشقة النًفًس، فضلاً عما هو فوقه، شهدت ذلك بنفسي وشهده كل من عاده في مرضه، ثم طبيعة ذلك المرض وهو من أدواء البطن؛ فهذه كلها مع غيرها مِن علامات حسن الخاتمة، نرجو له بها من الله منازل الأبرار ورفيع الدرجات ومغفرة الذنوب وتكفير السيئات وصلاح الأولاد والأهل من بعده، ( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ) (الكهف:82) فلن يضيعه الله أبدًا في أهله وذريته -إن شاء الله-.
وأوصي أولاده خصوصًا بأن أباكم كان فارسًا من فرسان العمل الإسلامي في مجالاته المختلفة، ناصرًا للدين جهده، طالبًا للعلم، محبًا لإخوانه، باحثـًا عن الحق، رجاعًا له، فكونوا على ذلك، واجتهدوا في المزيد؛ فهذا الذي يسعده ويريحه في قبره.
اللهم اغفر لأبي عبد الرحمن وليد السعيد، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واجعلنا وإياه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقـًا.
اللهم أجرنا في مصيبتنا، وأخلف لنا خيرًا منها.
إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا وليد لمحزنون.