شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إن أكرمكم عند الله أتقاكم

محمد القاضي • التزكية

والعجب.. أن اليهود أقنعوا العالم بهذه الأباطيل بما يملكونه من السحر، أقصد: سحر البيان؛ فإن من البيان لسحرًا يقلب الحقائق ويزور التاريخ، وحتى لو قصرت هذه الصفة على اليهود أو على اليهود والعرب، أو غير ذلك؛ فهذا لا يعني أنهم من طينة أخرى غير الطينة التي خلق منها الناس، وهذا الفكر الشعوبي المقيت الذي يقسِّم الناس على أساس عرقي هو عين عبية الجاهلية التي نهى عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ففي الحديث عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ، لَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى الله مِنْ الجُعْلاَنِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني) .

وحديث آخر: روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ) إِنَّ أَنْسَابَكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمَسَبَّةٍ عَلَى أَحدٍ، كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ، طَفُّ الصَّاعِ لَمْ تَمْلَئُوهُ، لَيْسَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلا بِدِينٍ أَوْ تَقْوَى، وَكَفَى بِالرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ بَذِيًّا بَخِيلا فَاحِشًا ) (رواه أحمد، وصحح الألباني) .

وقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن ابن لَهِيعة به، ولفظه: ( النَّاسُ لآدَمَ وَحَوَّاءَ كَطَفِّ الصَّاعِ لَمْ يَمْلأوهُ، إنَّ اللّهُ لا يسألُكُمْ عَنْ أحْسابِكُمْ وَلا عَنْ أنْسابِكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ، إن أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ ).

فهذه النصوص من الكتاب والسنة متعاضدة على أن الناس يتمايزون، وأنهم لا يستوون؛ فالمؤمن التقي ليس عند الله وعند المؤمنين كالمجرم الشقي، قال -تعالى-: ( لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ) ( الحشر:20 ) ، وقال -تعالى-: ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (القلم:35-36) .

وإن هذا التمايز مبني على أسس من العدل؛ فالإسلام دين العدل وليس دين المساواة كما يدعي البعض، فالعدل كل العدل ألا يتمايز الناس من أجل أن هذا أبيض أو أن هذا أسود، أو أن هذا عربي وذاك أجنبي؛ فهذا لا قيمة له؛ لأنهم في النهاية كلهم لآدم، وآدم من تراب؛ فالتكبر والتعاظم بالأنساب والأحساب، والانتساب للقوميات والعصبيات المختلفة... هذه عبية الجاهلية وتعاظمها بالآباء التي نهانا عنها إسلامنا الحنيف.

فالغرض المقصود أن الناس في الإسلام يتمايزون بقربهم من الله، والتزامهم بأمره، وعملهم بشرعه، وحرصهم على مرضاته؛ عندئذ يتمايز الناس، وهذا هو قمة العدل والسمو الإنساني أن يتمايز الناس على أساس حبهم للذي خلقهم وأوجدهم من العدم، وامتن عليهم بصنوف النعم، ولا قيمة لاختلاف الصور والألوان، و... في تقسيم الناس.

والأخوة في الإنسانية وإن كانت متحققة؛ لكنها لا تجدي نفعًا إذا كانت على حساب الإيمان بالله وتصديق رسوله -صلى الله عليه وسلم-، كما قال -تعالى-: ( أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ) (هود:60) ، بعد أن ذكر -جلّ وعلا- أخوتهم في النسب والإنسانية: ( وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُم هُودًا ) (هود:50) .

وهذه الروابط القائمة على أساس الإخوة في الإنسانية تتهاوى عند أول محك لها على أرض الواقع؛ ففي الواقع هناك شعوب ترى لنفسها الفضل على بقية البشر لا لشيء إلا لأصلها وعنصرها؛ فبعيدًا عن الدعاوى الفارغة نرى الناس يُعاملون في المجتمعات المدنية المعاصرة على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية والثالثة لأجل الأصول والألوان، وهذا نقض لتلك المساواة المزعومة.

بل الذي وصلت إليه البشرية اليوم بسبب الشعوبية والتعالي تستحيي أن تفعله الوحوش في البراري؛ فالدماء تراق هنا وهناك، وليس ما حصل لأسطول الحرية منا ببعيد، شعوب تقتل من الجوع والحصار تحت مرأى ومسمع الجميع، والرجل في أوروبا وأمريكا يبكي من أجل الكلب الذي لا يجد العناية التي تليق به في أحد أكبر التجمعات الكلبية الكبرى في تلك البلاد؛ فأي تناقض أعظم من هذا التناقض؟!

فالمسلمون كانوا وما زالوا هم أصحاب القيم الثابتة التي لا تتغير مع تغير الأزمان وتبدل العصور، وهذه القيم هي التي ترفع من مستوى البشرية وتجعل الإنسان أكثر قربًا من الله، وفي هذا صلاح القلوب والأعمال والمجتمعات، فكلما كان الإنسان أتقى لله كلما كانت مكانته في الإسلام أعظم، وقد كان أئمة المسلمين الذين نقلوا الدين وعلموا الدنيا الإسلام من الموالى، يعني من الدول التي فُتحت على أيدي المسلمين، ودخل أبناؤها في الإسلام وإن كانوا ليسوا من العرب، فهذا لا قيمة له عند المسلمين .

فالحمد الله الذي وهب لنا نعمة الإسلام، ونسأله -سبحانه- أن يغفر لنا الزلل والخطأ، وأن يتجاوز لنا عن ذنوبنا ومعاصينا، وأن يتوفانا على الإسلام والسنة، هو ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم.

الصفحة السابقة