شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الإمام عبد الحميد بن باديس

صوت السلف • السيرة والتاريخ

ويركز ابن باديس على إعداد المرأة المسلمة للقيام بوظيفة تربية الأجيال، فيشير إلى ذلك بقوله: "إذا أردنا أن نكوِّن رجالاً، فعلينا أن نكوِّن أمهات دينيات، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتعليم البنات تعليما دينيا، وتربيتهن تربية إسلامية، وإذا تركناهن على ما هن عليه من الجهل بالدين فمحال أن نرجو منهن أن يكوِّنَّ لنا عظماء الرجال.. وشر من تركهن جاهلات بالدين، إلقاؤهن حيث يربين تربية تنفرهن من الدين أو تحقره في أعينهن؛ فيصبحن ممسوخات لا يلدن إلا مثلهن".

وانطلقت من الجامع الأخضر الفكرة الإصلاحية التربوية لتبنى فى أنحاء الجزائر مدارسا على غرار مدرسة الجامع الأخضر يقودها تلاميذ الشيخ حتى غدت نحو 70 مدرسة فى عام 1935، تنشر القرآن والسنة وتثبت دعائم اللغة العربية وحضارتها فى مواجهة الفرنسة والتنصير ومحاولات محو الهوية الإسلامية للجزائر.

وانتبهت فرنسا إلى خطر هذه المدارس، وخشيت من انتشار الوعي الإسلامي، فعطّلت المدارس، وزجت بالمدرسين في السجون، وأصدر المسئول الفرنسي عن الأمن في الجزائر، في عام 1933تعليمات مشددة بمراقبة العلماء مراقبة دقيقة، وحرم على غير المصرح لهم من قبل الإدارة الفرنسية باعتلاء منابر المساجد، ولكي يشرف على تنفيذ هذه الأوامر، عيّن نفسه رئيسًا للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، إلا أن ذلك لم يقض على المدارس أو الفكرة من ورائها.

ولابن باديس جهاد آخر فى تأسيس جمعية علماء المسلمين الـجزائريين عام 1931مع رفيقه البشير الإبراهيمى وما يزيد عن مائة من علماء الجزائر، وانتخب رئيسا لها، وركّزت الجمعية في مراحلها الأولى على الأهداف التالية:

1 ـ إصلاح عقيدة الشعب الجزائري، وتنقيتها من الخرافات والبدع، وتطهيرها من مظاهر التخاذل والتواكل التي تغذيها الطرق الصوفية المنحرفة.

2 ـ محاربة الجهل بتثقيف العقول، والرجـوع بها إلى القــرآن والسنــة الصحيحة، عن طريق التربية والتعليم.

3 ـ المحافظة على الشخصيـــة العربيــة الإسلاميــة للشعـب الجزائـــري، بمقاومة سياسة التنصير والفرنسة التي تتبعها سلطات الاحتلال.

وكان لمقاومة البدع والصوفية نصيب عظيم فى منهج ابن باديس، فهاهو ينصح علماء الزّيتونة ويستنكر فيه صمتهم عن مقاومة البدع بعد أن ذكر تحرك علماء الأزهر وعلماء طرابلس الغرب وطالبوا بوجوب إلغاء ممارسات أصحاب الطّرق وشعوذتهم وتوجيه علماء المغرب نداءاً إلى ملكهم يدعو إلى منع بدع الطّوائف كالعيسوية، فهو يسائلهم مستنكراً «فأين أنتم أيها الشّيوخ، وأين إيمانكم؟ ها أنتم أولاء تُسألون عن البدع والمنكرات الفاشية في المسلمين باسم الدين، البدع التي أماتت ضمائرهم وخدّرت عقولهم وجمّدت أفكارهم وأفسدت أخلاقهم وأضاعت أموالهم، وسلبتهم حقيقة دينهم، وتركتهم بلاءاً على أنفسهم، وفتنة لغيرهم، فهل أنتم ساكتون، وبالتّخوف على مناصبكم معتذرون؟".

وفضح عقائد معاصره ابن عليوة الحلولية، الأمر الذى أدى بأتباع ابن عليوه لمحاولة اغتيال الشيخ عام 1926، لكن نجاه الله من مكرهم فأصيب فى رأسه ولم يمت، ومما يبين عفو الشيخ وتسامحه وكرمه أنه عفا عن القاتل أثناء محاكمته.

ولابن باديس ساحة أخرى بذل فيها لله وهى ساحة الصحافة فأصدر أول جريدة له باسم "المنتقد" 1925عام وكما يدل عليها اسمها فقد كانت ثورة على كل المظاهر المنحرفة في المجتمع الجزائري وركزت على نقد الطرق الصوفية التى كانت توجه أتباعها من خلال المقولة الخطيرة "اعتقد ولا تنتقد" فكان ابن باديس رحمه الله يردد "انتقد ولا تعتقد"، وأصدر مجلة "الشهاب"عام1926 بعد إيقاف "المنتقد"، وكان لها شعار إصلاحي تربوي يتضمن مقولة الإمام مالك رحمه الله "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها". كما ساهم الشيخ ابن باديس في إصدار العديد من الجرائد والمجلات الأخرى منها: السنة، الصراط السوى، الشريعة الغراء ، والبصائر .

وعلى الرغم من أن الشيخ لم يؤلف في حياته كتبا إلا ان تلميذه محمد الصالح رمضان قام من بعده بجمع تفسيره الذى ألقاه على مدى 25سنة فى الجامع الأخضر بقسنطينة، وجمع شرحه للحديث النبوي ودروسه في العقيدة، وتاريخه للصحابة تحت هذه العناوين مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ومجالس التذكير من حديث البشير النذير، والعقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ورجال السلف ونساؤه.

توفي الشيخ عبد الحميد ابن باديس في مسقط رأسه بقسنطينة عن عمر يناهز 51 عاما يوم الثلاثاء 16 أبريل1940، وحمل جثمانه إلى مثواه الأخير طلبة الجامع الأخضر دون غيرهم وسط جموع غفيرة تزيد عن مائة ألف نسمة، جاءوا من كافة أنحاء القطر الجزائري، في حين كان عدد سكان قسنطينة آنذاك لا يتجاوز 50 ألف نسمة.

الصفحة السابقة