شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

من أسباب المحبة: التقرب إلى الله بالنوافل (2)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

ولما حصلت هذه الموافقة من العبد لربه في محابِّه حصلت موافقة الرب لعبده في حوائجه ومطالبه، فقال: ( وَلَئِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ ) أي: كما وافقني في مرادي بامتثال أوامري والتقرب إليَّ بمحابي؛ فأنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعله به ويستعيذني أن يناله، وقوَّى أمر هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى ذلك تردُّد الرب ـ سبحانه ـ في إماتة عبده؛ لأنه يكره الموت، والرب تعالي يكره ما يكرهه عبده ويكره مساءته، فمن هذه الجهة يقتضي أن لا يميته، ولكن مصلحته في إماتته؛ فإنه ما أماته إلا ليحييه، ولا أمرضه إلا ليصحَّه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا منعه إلا ليعطيه، ولم يخرجه من الجنة في صلب أبيه إلا ليعيده إليها على أحسن أحواله، ولم يقل لأبيه: ( اخرج منها ) إلا وهو يريد أن يعيده إليها، فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه، بل لو كان في كل منبت شعرة من العبد محبة تامة لله لكان بعض ما يستحقه على عبده.

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنيـنه أبدًا لأول منزل

فالمحبة رزق يرزقه الله عبدَه، ويوفقه له، ولا يناله كل أحد، وإنما يناله الصادق الذي ذاق حلاوة الإيمان، لكن لابد لهذه المحبة من أوعية ينال فيها هذا الرزق وهذا العطاء، والعبادات هي وعاء تلك المحبة، ولا وعاء غيرها، فينزل العطاء في هذا الوعاء حتى يحصل للإنسان ما يحبه مِن قربِه مِن الله ومحبتِه له، ثم من حب الله -عز وجل- له؛ لأن قصده أن يرضي الله وأن يفعل محبوباته يدل على صدق حبه لله -عز وجل-، وكلما كان محبًّا صادقًا كلما كان مجتهدًا في أداء ما افترض الله -عز وجل- عليه، ثم يداوم على النوافل التي شرعها الله -عز وجل- وبيَّنها على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- وفي أفعاله؛ لكي يثبت صدق حبه لله -عز وجل- بفعل محبوباته، حتى يصل إلى درجة المحبوبية بعد أن كان محبًّا.

وقد قال الله -عز وجل-: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (آل عمران: 31) ، فبيَّن درجة الحب التي يلزم منها الاتباع، ويلزم منهما جميعًا المحبوبية، فبدون العبادات من فريضة ونافلة لن يحصل للإنسان ما يرفع منزلته ويحقق به المحبة، وقد لا يجد الإنسان في بداية أداء الفريضة أو النافلة حلاوة المحبة مباشرةً، لكن عليه أن يواظبَ ويستمرَّ، وأن يديمَ قرع الباب إلى أن يفتح؛ لأنه واقف بباب لا محيد له عنه؛ إذ هو الطريق الموصل إلى الله الذي ينتظر أن يُفتح، فيلج فيه، حتى يصل إلى الدرجات العليا من أعمال القلوب: من الحب والخوف والرجاء والقرب والمحبوبية بعد ذلك، ووسيلته إلى ذلك أداء العبادات من الفرائض مثل: الصلاة والصيام والحج والعمرة، والنوافل منها، والبحث عن أفضلها وأحبها إلى الله -عز وجل- كالنوافل الراتبة وقيام الليل وصيام الأيام والشهور الفاضلة والصدقة والتنفل بالحج والعمرة، وهذه كلها من أفعال البر التي إذا فعلها الإنسان كان صادق الحب، ونزل في أوعيته ما يرزقه الله -عز وجل- به من محبته.

وللحديث بقية بإذن الله مع بقية الأسباب الجالبة لمحبة الله –عز وجل-.

الصفحة السابقة