شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حب المال

ياسر عبد التواب • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فضرب مثل لكثرة المال بما ينبت في فصل الربيع؛ فإن بعض النبات حلوة في فم الدابة، وهي حريصة على أكله، لكن ربما تأكل كثيرًا فيحصل بها داء من كثرة الأكل فتموت من ذلك الداء أو تقرب، فإن لم تأكل الدابة إلا بقدر ما تطيق؛ فتأكل وتترك الأكل حتى ينهضم ما أكلت، فلا يضرها الأكل، وكذلك من يحصل له مال كثير؛ فإن من يحرص على كنز المال، وتكثير الأكل والشرب، والتجمل يقسو قلبه، وتتكبر نفسه، ويرى نفسه أفضل من غيره، ويحتقر الناس ويؤذيهم، ولا يخرج حقوق المال من الزكاة، وأداء الكفارات، والنذور، وإطعام السائلين، والأضياف، وحقوق الجار، فمن كانت هذه صفته لا شك أن المال شر له، ويبعده عن الجنة، ويقربه من النار.

ومن أدى حقوق المال ولم يحتقر الناس، ولم يفتخر عليهم، ولم يشتغل بجمع المال بحيث يفوت عنه طاعة، ويحسن إلى الناس فماله خير له كما قال -عليه السلام-: ( نَعِمَّا بِالْمَالِ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

فإذا عرفت هذا فقد عرفت أن الخير والشر لا يحصل للرجل من المال ذاته، بل نفس الرجل التي هي تصرف المال فيما فيه خير له أو شر له؛ ولذا قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَإِنَّ فِتْنَةَ أُمَّتِي الْمَالُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، فالمال فتنة، وهذا واقع مشاهد؛ قل لي: هل تعلم متيسرًا لم يزده ماله إلا طلبًا، وأنه كلما أعطي من الدنيا فإنه يسعى في زيادتها، هل تعلم من هو بخلاف هذا؟!

وذاك مصداقـًا لما في الحديث من أن لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثـًا، وبينما هو في حرصه وفي لهفته على المال، وفي شدة حبه له يفجؤه الموت فيرى عندئذ ما كان غائبًا عنه من عدم تورعه عن أكل المال من حله أو عدم إنفاقه له في حقه.

وعن عبد الله بن الشِخِّير -بكسر الشين والخاء المشددة المعجمتين رضي الله عنه-، أنه قال: "قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يَقْرَأُ: ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ) قَالَ: ( يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالي مَالِي -قَالَ- وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟! ) (رواه مسلم).

قال يحيى بن معاذ -رحمه الله-: "مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلهما للعبد في ماله عند موته، قيل: وما هما؟ قال: يؤخذ منه كله ويسأل عنه كله"!

ولقد ورد في ذم المال نقولاً كثيرة يمكن فهمها وفقـًا لما سقناه من ضابط للأمر؛ قال الحسن -رحمه الله-: "والله ما أعز الدرهم أحد إلا أذله الله".

وقيل: "إن أول ما ضرب الدينار والدرهم رفعها إبليس ثم وضعهما على جبهته ثم قبلهما وقال: من أحبكما فهو عبدي حقـًا".

وقال سميط بن عجلان: "إن الدراهم والدنانير أزمة المنافقين يقادون بها إلى النار".

وقال يحيى بن معاذ: "الدرهم عقرب فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه، فإنه إن لدغك قتلك سمه، قيل: وما رقيته؟ قال: أخذه من حله ووضعه في حقه".

وقال العلاء بن زياد: "تمثلت لي الدنيا وعليها من كل زينة فقلت: أعوذ بالله من شرك. فقالت: إن سرك أن يعيذك الله مني فابغض الدرهم والدينار". وذلك لأن الدرهم والدينار هما الدنيا كلها إذ يتوصل بهما إلى جميع أصنافها، فمن صبر عنهما صبر عن الدنيا؛ ولذا فإن من يتورع عن أكل المال من غير حقه فهو الورع حقـًا:

إني وجدت فلا تظنوا غيره أن الـتورع عـنـد هـذا الدرهم

فـإذا قـدرت عليه ثم تـركته فاعلم بأن تقاك تقوى المسلم

وفي ذلك قيل أيضًا:

لا يغرنك من المرء قـمـيـص رقــعـه

أو إزار فـوق عظـم الساق منه رفعه

أو جـبين لاح فـيـه أثــر قــد خـلـعـه

أره الـدرهم تـعـرف غيّــه أو ورعــه

ويُروى عن مسلمة بن عبد الملك أنه دخل على عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- عند موته فقال: يا أمير المؤمنين صنعتَ صنيعًا لم يصنعه أحد قبلك، تركت ولدك ليس له درهم ولا دينار -وكان له ثلاثة عشر من الولد- فقال عمر: أقعدوني! فأقعدوه فقال: أما قولك لم أدع لهم دينارًا ولا درهمًا فإني لم أمنعهم حقـًا لهم، ولم أعطهم حقـًا لغيرهم! وإنما ولدي أحد رجلين: إما مطيع لله فالله كافيه والله يتولى الصالحين، وإما عاص لله فلا أبالي على ما وقع".

وروي أن محمد بن كعب القرظي أصاب مالاً كثيرًا فقيل له: "لو ادخرته لولدك من بعدك؟ قال: لا، ولكني أدخره لنفسي عند ربي، وأدخر ربي لولدي".