شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

من أسباب المحبة: إيثار محابه على محابك

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا مع الأسباب الجالبة للمحبة التي ذكرها الإمام ابن القيم -رحمه الله-.

4. إيثار محابه على محابك:

قال -رحمه الله-: " الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى، والتسنم إلى محابه وإن صعب المرتقى ".

الإنسان فيه شهوات ورغبات يميل إليها، مثل شهوة الجنس وحب المال والطعام والشراب، وكذلك تميل نفسه إلى الكسل والراحة، وشرعُ الله -عز وجل- يتضمن: فعل الواجبات وترك المحرمات.

فالقسم الأول: وهو فعل الواجبات يشق على كثيرٍ من النفوس؛ لأن الواجبات فيها كلفة، ولذلك سميت تكاليف، مع أنها عند اكتمالها لا يجد الإنسان أي مشقة في أدائها، بل يجد فيها الراحة والسرور، ولكن لا يصل إليها إلا إذا وصل إلى القِمَّة، كما يستريح من وصل إلى قمة الجبل وذروته، وإن كان في الطريق يجد التعب والنصب، لكنه إنما يبذل جهده حتى يصل إلى الراحة في النهاية، فإذا استقر فوق الجبل وجد الراحة التامة، ووصل إلى أعلى المنازل.

فشرعُ الله يتضمن هذه التكاليف التي بدايتها كلفة ونهايتها لذة وراحة، وما دام لم يصل إلى الكمال فيها فما زالت هناك منازعة؛ منازعة بين الدواعي الإيمانية في القلب التي تُرغِّب العبدَ في الطاعات وبين النفس الأمارة بالسوء التي تميل إلى الكسل ويشق عليها أن تفعل.

والقسم الثاني: هو ترك المحرمات والمكروهات التي مردُّها إلى أهواء ولذات النفوس المضرة لقلب الإنسان، ولذا حرمها الله -عز وجل- أو كرهها ونهى عنها على قدر ضررها لقلب الإنسان وأثرها على حياته.

فهناك أمران لا بد منهما في تحصيل المحبة، وسوف تجد أثر ذلك مباشرة:

الأول: "إ يثار محابه على محابك ": فإذا تعارض ما تحبه وتشتهيه مع ما يحبه الله -عز وجل-فإنك تؤثر ما يحبه الله وتقدمه على ما تحبه النفس، خصوصًا " عند غلبات الهوى "، أي: عندما يشتد الهوى ويغلب ويكون قاهرًا للإنسان.

وكل إنسان تمر عليه لحظات يشتد فيها الهوى ويقوى، فينهار أكثر الناس عند هذه اللحظات ولا يستطيعون العودة، فإذا نجحتَ في هذه اللحظات وجدتَ أثر ذلك في قلبك، كما في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، وفيها: ( وَقَالَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَلَقِيتُهَا بِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ الله، اتَّقِ اللهَ وَلَا تَفْتَحْ الخَاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْهَا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا، فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً.. ) (رواه البخاري ومسلم) الحديث، فهذه لحظة شديدة على النفس.

وهذا مثل اللحظة التي مرت على يوسف -وهو أعلى قدرًا- كما قال تعالى: ( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) (يوسف: 23) ، ولم يكن عديم الشهوة، بل قدَّر الله -عز وجل- أن يكون شابًّا في كمال شبابه وكمال جماله مع قوة الرغبة، قال تعالى: ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ ) (يوسف: 24) ، فصرَفَ اللهُ عنه الفعل بعد الهمِّ؛ لأنه رأى الدليل والبرهان على لزوم الانصراف من هذا المكان، ( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ . وَاسْتَبَقَا الْبَابَ ) (يوسف: 24-25) ، فهذا أعلى من موقف الرجل في الحديث المتقدم، وليس ذلك لأجل مقام النبوة فقط؛ بل لأن الرجل المذكور في قصة أصحاب الغار كانت المرأة تكره أن يفعل بها الفاحشة وذكَّرته بالله في اللحظة الحاسمة، وأما يوسف؛ فكانت المرأة هي الطالبة، وملَّكت نفسها له، ( وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ )، واللام تستعمل للتمليك، وقد عرضت نفسها عليه وشدَّت ثيابه وجذبتها والرغبة قائمة، ولكنه يلجأُ إلى الله ويستعيذ به، فينجيه الله لكمال الإخلاص، ( إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ ) (يوسف: 24) -بكسر اللام- على القراءة الأخرى، فهذا مثال لإيثار محابِّ الله على محابك.

وقد قال ابن القيم -رحمه الله-: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجُبِّ وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه؛ فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره، لا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر، وأما صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضى ومحاربة للنفس، ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة؛ فإنه كان شابًّا وداعية الشباب إليها قوية، وعزبًا ليس له ما يعوضه ويرد شهوته، وغريبًا والغريب لا يستحي في بلد غربته مما يستحي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله، ومملوكًا والمملوك أيضًا ليس وازعه كوازع الحر، والمرأة جميلة، وذات منصب، وهي سيدته، وقد غاب الرقيب، وهي الداعية له إلى نفسها والحريصة على ذلك أشد الحرص، ومع ذلك توعدته إن لم يفعل بالسجن والصَّغار، ومع هذه الدواعي كلها صَبَر اختيارًا وإيثارًا لما عند الله، وأين هذا مِن صبره في الجبِّ على ما ليس من كسبه؟".

ومن إيثار محاب الله على محاب النفس أيضًا أنه متى وقع الإنسان في ضائقة شديدة وأصبح بحاجة ماسة إلى المال، ثم عُرض عليه مالٌ حرامٌ ـ من ربا أو رشوة أو غصب ـ سهلُ المنال، فخاف الله وترك ذلك؛ فإنه يجد أثر ذلك في قلبه؛ لأنه آثر محاب الله -عز وجل- على محابه عند غلبات الهوى، وذلك لأن أكثر الناس ينهارون عند شدة الهوى، بل منهم من ينهار عند بدايته، ويستسلمون له، ولا يخافون من حساب وعقاب أو يرجون بتركه ثوابًا، فإذا اتقى اللهَ -عز وجل- وانصرف وجد أثر ذلك حبًّا في قلبه.

أما قوله: " والتسنم إلى محابه وإن صعب المرتقى " فله حديث آخر بإذن الله.