حياء المرأة خلق لا تنزعه عنها النار
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
بيد أن الله -تعالى- فطر الأنثى قبل أن يكلفها شرعًا بأن حدود عورتها أوسع بكثير من حدود عورة الرجل؛ فيلاحظ أن الأنثى أكثر خجلاً في هذا الجانب من الرجل، ثم جاء الشرع فوضع لذلك الحدود الواضحة فيما يجب ستره، وفيما يستحب لكل من الرجل والمرأة مع مراعاة الفروق الوظيفية والبيولوجية بين الاثنين؛ فقد خلق الله الخلق وأبدعه، فخلق الذكر والأنثى، وجعل بينهما تكامل في الوظائف، وجَبَل كلاً منهما على ما يليق بمهمته، وإذا كان الله قد أودع في الجنسين التجاذب فقد جعل المرأة جاذبة والرجل منجذبًا، ثُم شرع طريقة واحدة يسمح فيها بحدوث هذا التجاذب، وهي: "الزواج".
ومِنْ ثَمَّ؛ فقد جبل المرأة على حياء مُضاعف، تصون به جمالها من الظهور على غير الزوج فهي في هذا الجانب أكثر حياء من الرجل حتى ضُرب بها المثل، فقيل: "كالعذراء في خدرها"، وقال الله عن بنت الرجل الصالح شعيب: ( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ) (القصص:25) .
ويقابِل هذا الخلق عند الرجل النخوة والشهامة، والأمانة التي تمنع الرجل من محاولة الولوغ والنيل ممن لا تحل له، وهو ما كان من موسى -عليه السلام- حتى وصفته تلك الحيية بأنه قوي أمين: ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ) (القصص:26) .
وقال عنترة مبينًا أن المروءة خلق جبلي في الرجال الأسوياء فقال ممتدحًا:
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يـــواري جارتي مأواهــــا
إذن فحياء المرأة أمر فطري وشرعي، وهذه الفتاة الصغيرة السن غالب الظن أنه غلب عليها حياؤها الفطري، وإلا فلو كان الغالب عليها الحياء الشرعي؛ لأخذت بالرخصة غالبًا فإن الشرع الآمر لها بالحياء هو الذي يعطيها الرخصة، والنار تحيط بها من كل جانب، ولكن الحياء الفطري كان أغلب وأرسخ في النفس، وهذا شأنه طالما بقيت الفطرة غير مدنسة، بل إن كثيرًا ممن شوهت فطرتهن يظل صوت الفطرة في قلوبهن -وإن خفَّت-.
تقول الكاتبة "هناء الصنيع" في مقال لها على موقع "طريق الإسلام" بعنوان: "الفتاة وملابس البحر": "حدثتني فتاة في العشرين من عمرها من إحدى الدول العربية أنها قبل استقامتها كانت ترتدي "المايوه" على البحر، وكانت تشعر بانقباض في صدرها، وحرارة في جسدها عندما ترتديه، مع أن والدتها ترتديه أيضًا، والأمر عادي بالنسبة لهم، فقد نشأت على ذلك، لكنها لم تكن مرتاحة أبدًا رغم أنها لم تكن تصلي ذلك الحين. قالت لي ذلك بمرارة وحسرة على الماضي، وهي تتمنى أن يهدي الله والدتها كما هداها للحق".
سادسًا: جزار والحياء: إذا كان حياء المرأة فطريًا، فالطبيعي أن تتسم به المرأة، حتى وإن لم تكن مسلمة؛ فإذا كانت مسلمة عضد دينها فطرتها، فصار حياؤها هيئة راسخة فيها بحيث يكون نزع ثيابها عنها أشد من سلخ جلدها، تجد من ألمه المعنوي أشد مما تجده من يُسلخ جلدها من ألم حسي بيد أن هناك شيئًا يُسمى "البنج"؛ يتغلبون به على الألم لمن اضطروا إلى سلخ جلدها، وكذلك يوجد "بنج" يعطونه لمن رغبوا في سلخ ثيابها.
وقد ساق هذا المعنى الأديب مصطفى صادق الرافعي -رحمه الله- في مقالة: "قصيد مترجمة عن الشيطان لحوم البحر"، قال في افتتاحها:
"لكأنما والله تمدد على سيف البحر في الإسكندرية شيطان مارد من شياطين ما بين الرجل والمرأة، يخدع الناس عن جهنم بتبريد معانيها... وقد امتلأ به الزمان والمكان، فهو يرعش ذلك الرمل بذلك الهواء رعشة أعصاب حية، ويرسل في الجو نفحات من جرأة الخمر في شاربها ثار فعربد، ويطلع الشمس للأعين في منظر حسناء عريانة ألقت ثيابها وحياءها معًا، ويرخي الليل؛ ليغطي به المخازي التي خجل نهار أن تكون فيه.
ولعمري إن لم يكن هو هذا المارد، ما أحسبه إلا الشيطان الخبيث الذي ابتدع فكرة عرض الآثام مكشوفة في أجسامها تحت عين التقي والفاجر، لتعمل عملها في الطباع والأخلاق، فسول للنساء والرجال أن ذلك الشاطئ علاج الملل من الحر والتعب، حتى إذا اجتمعوا فتقاربوا فتشابكوا سول لهم الأخرى أن الشاطئ هو كذلك علاج الملل من الفضيلة والدين! ".
إلى أن نظم على لسان الشيطان قصيدة كانت جملتها المتكررة،"يا لحوم البحر، سلخك من ثيابك جزار.....!" ومما قاله فيها:
"يا لحوم البحر، سلخك جزار من ثيابك.
جزار لا يذبح بألم، ولكن بلذة....
ولا يحز بالسكين ولكن بالعاطفة.....
ولا يميت الحي إلا موتا أدبيًا......
إلى الهيجاء يا أبطال معركة الرجال والنساء.
فهنا تلتحم نواميس الطبيعة ونواميس الأخلاق.
للطبيعة أسلحة العري، والمخالطة، والنظر، والأنس، والتضاحك، ونزوع المعنى إلى المعنى.... وللأخلاق المهزومة سلاح من الدين قد صَدِئ ؛ وسلاح من الحياء مكسور.. !
يا لحوم البحر، سلخك من ثيابك جزار......".
هل آن الأوان لمن تكشف عن شيء من زينتها قل أو كثر أن تفيق من هذا "البنج" الشيطاني، وأن تستجيب للنداء الرباني تحذيرًا من فتنة الشيطان وبنجه.
( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ . يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) (الأعراف:26-27) .