إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
فالمؤمن ـ مثلاً ـ يخاف من الرياء، ويخاف من السمعة، ويخاف من محبطات الأعمال، ويخاف من المنِّ، ويخاف مما قبل العمل أو بعده أو أثناءه من محبطات العمل، فالمحبطات قبل العمل كالرياء والسمعة، والمحبطات أثناء العمل كمخالفة السنة؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ) (متفق عليه) ، والمحبطات بعده: كالمنِّ والأذى ورفع الصوت على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا كالذي يتقدم بين يدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويفتي بالباطل، وربما كان له عمل صالح قبل ذلك، ففتواه الباطلة، ورفعه الصوت على ما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- يمكن أن يُحبط عمله، وهناك محبطات كثيرة للأعمال يخاف المؤمن منها، فهذا ما جعل الأولياء يخافون من عدم القبول، ولكنهم وسط بين من يجزمون لأنفسهم بالرياء وبطلان الأعمال وبين من يجزمون لأنفسهم بالقبول.
المؤمن بين هذا وذاك، راجٍ خائف، يخاف ألا يُقبل منه، ويرجو أن يقبل الله -عز وجل- منه العمل المُزجى، ويعلم أن عمله فيه عيوب قطعًا، وأنه لو حوسب عليه حسابًا دقيقًا عسيرًا لرُدَّ، ولكنه يرجو الله -عز وجل- أن يقبل منه على سبيل التجاوز، كأن يكون فيه بعض الخير، فيُقبل من أجله، كحال إخوة يوسف الذين قالوا: ( وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ ) (يوسف:88) ، " وإنما طلبوا بانكسارهم ذلك عطية الكريم الذي علموا إحسانه وجوده.
وإذا كان هذا حال من سأل مخلوقًا فرحمه عندها وجبر كسره؛ فكيف بمن يسأل بهذا الذل والانكسار أكرم الأكرمين وأجود الأجودين؟ بل الإحسان والكرم لا ينبغي أن يرجى إلا منه، فينبغي على العبد المؤمن أن يدعو ربه مستحضرًا ذله وعز ربه، العزيز حقًّا الذي لا تنبغي العزة إلا له، ومتوسلاً إليه سبحانه بما أصابه من البلاء ـ وأحسنه ما كان في سبيله ـ، وما أصاب أهله كذلك؛ فإن ذلك من أسباب استجلاب الرحمة؛ لأن الله يُلتمس فضلُه بضعف الضعفاء؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ؟ ) (رواه البخاري) ، ويُرجى جبره لقلوب المنكسرين غير المعجبين الفخورين، وليقدم في دعائه شهودًا من قلبه بأن عمله وسعيه كبضاعة مزجاة بائرة كاسدة، فلو عامله الله بعدله لرد عليه عمله؛ لما فيه من آفات ظاهرة وباطنة يستحق أن يُردَّ بها، إلا أن طمعه ورجاءه في كرم أكرم الأكرمين ـ الشكور الذي يقبل القليل من العمل ويغفر الكثير من الزلل ـ هو الذي يدفعه إلى طلب الفضل والمنة والمنحة، وليس أنه يستحق على ربه شيئًا.
ومن أوفى من الله الذي يوفي الأجر على عمل كاسد؟ وما فيه من خير فهو الذي منَّ به على عبده، ووفَّقه له، وهداه وسدَّده، وألهمه رشده حتى علمه وأحبه وأراده وعزم عليه ونواه وعمله، وهو المسئول أن يقبله صدقة منه على عبده، وهو الكريم المنان " "من كتاب تأملات إيمانية في سورة يوسف ص238" .