شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

رمضان شهر المحبة

حنفي مصطفى • التزكية

الخامس: "مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة ومباديها فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة... "، فإن العبد في رمضان يلازم قراءة القرآن الذي هو كلام الله فهو صفة من صفاته، ويجد من أثر هذه الصفة على قلبه ونفسه وحاله من اللذة والراحة والسكينة، ويشاهد هذه الآثار على عامة المسلمين في رمضان، وآثار أسمائه -جل وعلا- وصفاته عند تدبر آياته الشرعية عند تلاوة القرآن، ومعرفة الله في كتابه وآياته في كتابه الكريم، ما يطالع بها القلب هذه الآثار في قلوب المسلمين في رمضان، حبًا له -تعالى- وشوقًا إليه في آيات رجائه، ومحبته لعباده المؤمنين.

السادس: "مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة فإنها داعية إلى محبته"، ويا لها من مشاهدة عندما يتفكر العبد في آياته -جل وعلا- في خلقه، ونعمة التي أسبغها على عباده المؤمنين، فانظر إلى رحمته بعباده في شرعه في أمره ونهيه، وإعانته لعباده على صيام رمضان وقيامه، وإحسانه بعباده بمزيد من فضله ولطفه بهم في أمره وشرعه، وتيسيره لعباده المؤمنين في كل أمر أمرهم يعينهم عليه، ويوفقهم ويسددهم في السير على طريقه المستقيم، ويسر لهم تلاوة كتابه الكريم، قال -سبحانه-: ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) (القمر:17) .

فكم لله -تعالى- على عباده من النعم في رمضان ما لا يُحصى ولا يعد، من بركة الطعام والشراب والرزق، وقبول الدعاء، ومغفرة الذنوب، والعتق من النار، وفتح أبواب الجنة، وغلق أبواب النار، وتصفيد الشياطين، وغيرها من نعمه وبره وإحسانه عليهم في رمضان، وفرحتهم عند إفطارهم في كل يوم، وفي آخر الشهر شاكرين لربهم؛ حامدين له نعمه وبره وإحسانه عليهم.

السابع: "وهو من أعجبها انكسار القلب بكليته بين يدي الله -تعالى- وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات"، فقيام الليل في رمضان وما فيه من معاني العبودية، وصلاة التهجد والاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان، يظهر فيها معنى الذل والتضرع والانكسار بما في هذه الصلاة من القراءة، والذكر والدعاء، والتبتل والخشوع والخضوع، خاصة في وقت السحر، وقت نزول الله -تعالى- إلى السماء الدنيا، يستشعر القائم هذه المعاني فإذا هو منكسر القلب بين يدي الله -تعالى- منطرحًا بين يديه، ذليلاً فقيرًا محتاجًا إلى ربه، إلى لطفه وعفوه ومغفرته، يرجو رحمته ويخشى عذابه، يرجو عفوه ويخشى حسابه، فيُظهر بين يدي الله الذل والانكسار؛ لينال رضاه وجنته.

الثامن: "الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة"، وهذا يظهر جليًا في العشر الأواخر من رمضان من حال المتهجدين القائمين الراكعين الساجدين من المصلين والمعتكفين في بيوت الرحمن، وكذلك المصلين في بيوتهم في الثلث الأخير من الليل، وهو وقت السحر وقت الاستغفار والمناجاة والدعاء والثناء.

التاسع: "مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام، وعلمت أن فيه مزيدًا لحالك ومنفعة لغيرك"، فالصائم في رمضان يحفظ لسانه وعينه وأذنه وقلبه وجوارحه، يتكلم بالخير والذكر، وبما يعود عليه بالنفع، وهو صائم تدرب على التقوى؛ فحفظ لسانه وفرجه، وجالس المحبين الصادقين في المساجد عقب الصلوات ومجالس العلم والذكر، وفي العمرة جالس المحبين المجاورين للمسجد النبوي الشريف والمسجد الحرام يسمع قراءتهم وجميل تلاوتهم، ويسمع دندنة ذكرهم، يجلس معهم ما بين ذاكر وقارئ، وما بين ناصح ومعلم، وهذا كله في رمضان؛ فتزداد المحبة للرحمن في رمضان شهر المحبة.

العاشر: "مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله -عز وجل-"، ففي رمضان صفدت الشياطين؛ فقل أثرهم على الخلق، وضعف أثر شياطين الإنس، وظهرت آثار ذلك في قلة الشر وكثرة الخير وأهله، فقلت المعاصي والسيئات والمنكرات التي تحول بين القلب وربه، وزادت الطاعات التي تطهر النفس وتزكيها، وتصلح القلب وتغذيه وتنمي الإيمان فيه، فإذا القلب يتصل بربه فيزداد حبًا له ورجاءً فيه، وشوقًا إليه، فشهر رمضان شهر المحبة.

فمن هذه الأسباب العشر وصل المحبون إلى منازل المحبة، ودخلوا على الحبيب، وملاك ذلك كله أمران:

أولاً: استعداد الروح لهذا الشأن.

ثانيًا: انفتاح عين البصيرة.

ففي شهر رمضان المبارك يجد المسلم هذه الأسباب ميسرة، يُعان عليها، فتزداد محبته لربه وشوقه إليه، فلا يزال في ازدياد ولا يزال في شوق إلى مولاه حتى يلقى ربه محبًا للقائه، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ ) (متفق عليه) .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة