شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل للدعوة مكان في رمضان؟

أحمد الشحات • مع الدعاة

وبالتالي فغالب الظن فيمن كان يتوقف منهم عن الدرس هو الانصراف لأعمال أخرى أرجى وأهم، أما ما يتم في زماننا من إيقاف الدروس العامة في المساجد؛ فهذا لإفساح الطريق أمام دروس أخرى أكثر مناسبة وملائمة لشهر رمضان من ناحية، وحتى يتسنى مخاطبة الوافدين إلى المساجد في رمضان بالطريقة والمادة التي هم في حاجة إليها أكثر من غيرها من الدروس النظامية، والتي غالبًا ما تخاطب شريحة معينة من الناس؛ بالإضافة إلى ارتباطها بمنهج أو كتاب يصعب على غير المؤهلين مجاراة الدرس أو الاستفادة منه.

4- التوازن المطلوب:

لا شك أن الداعية إلى الله هو أحوج الناس إلى التزود بوقود الإيمان؛ لكي يستطيع مواصلة السير في هذا الطريق الطويل، كما أن رمضان فرصة عظيمة لكي يقف الداعية مع نفسه وقفة يقيم فيها جهده، ويراجع فيها وسائله وأدواته، وأيضًا يغذي فيها عقله وقلبه بما يقرأ ويفعل من صنوف البر والخير، لكن هذا لا يعني أن ينعزل عن الناس وينزوي مع نفسه بحيث لا يراه أحد، ولا يتحمل عبء عمل أو يساهم في سد ثغرة.

والمطلوب من الداعية أن يكون متوازنًا؛ فلا يهمل نفسه فيحرمها من التزود بالإيمان، ولا يهمل دعوته فيحرمها الأجر بعزلها عن الناس وتركهم بلا نصيحة أو توجيه، ولكن عليه أن يوطن نفسه، فينظم أوقاته، ويرتب أعماله، فيعطي لهذا حقه، ولهذا حقه، دون أن يجني على نفسه، ودون أن يقصر في حقوق إخوانه ودعوته.

5- أهم المنطلقات الدعوية في رمضان:

1- التصالح مع الذات: وذلك لأن مفتاح التوفيق في أي عمل هو حسن اتصال قلب العبد بربه، وعلى قدر نجاح هذا الاتصال ودوامه على قدر ما يأتي العون والمدد من الله -تعالى-، والداعي إلى الله أمامه مهمة شاقة ألا وهي محاولة فتح قلوب العباد وتهيئتها لتلقي العلم وامتثال الشرع؛ فكيف يتأتي له ذلك وقلبه في جفاء وبُعد، بل أنى له من الطاقة النفسية التي تؤهله لدعوة الآخرين والتأثير فيهم؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه؟!

2- غرس الاهتمام بالقرآن وتعظيمه في القلوب:

ولا عجب في ذلك... فرمضان هو شهر القرآن؛ قال الله -تعالى-: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) (البقرة:185).

وهذا الملمح يجب أن يكون هدفـًا إستراتيجيًا بالنسبة إلى الداعي؛ لأن الهداية الحقيقية للناس لا تتم إلا بربطهم بمصدر هذه الهداية الربانية -القرآن الكريم-، هذا القرآن الذي بفضله بقيت هذه الأمة، وبسببه بوركت، وهو محفوظ لها من ربها، لتتكفل هي بالعمل به، وصبغ الحياة به، وهذا دور الداعية الأول الذي ينبغي أن يبرز له في هذا الشهر؛ لأن شهرًا أنزل فيه القرآن لجدير بأن يكون للقرآن فيه نصيب أوّلي.

3- إحياء معاني التقوى في النفوس:

قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:183) ، ما أجمل أن يستشعر الناس معاني التقوى فتسري فيهم كسريان الدم في عروقهم، هذه المعاني هي التي تحقق للمؤمنين النجاة في الآخرة، وتضمن التماسك في سفينة المجتمع الذي يعيشون فيه، ولا يكونن طرح الداعية طرحًا وعظيّا حماسيّا فقط، وإنما لا غني عن الطرح العميق، ومحاولة فهم سنن الله -تعالى- التي بثها كسنن ثابتة لا تتغير، ومع توضيح هذه السنن، يكون طرح الأسس الهامة لنتائج "التقوى"، كمعايير للقياس، فمن ذلك:

1- أن التقوى سبب لنزول البركات وسعة الأرزاق، قال -تعالى-: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ) (الأعراف:96).

2- أن المعيار في تقييم الناس هو التقوى، وهذا هو الفرق الرئيس الذي تذوب معه الألوان والانتماءات الأخرى، وهو أساس التعارف، وأساس التقديم والتأخير، قال -تعالى-: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات:13).

3- أن الزاد في الحركة بهذا الدين الذي يعطي الإنسان القدرة على السبق والفوز والمسارعة، هي: التقوى؛ قال الله -تعالى-: ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) (البقرة:197) .

4- إحياء مفهوم وفقه التغيير للنفس والمجتمع:

فالله -عز وجل- قد تكفل في هذا الشهر بتشريع الصوم الذي يكتم جانب الشهوات في الإنسان؛ ليكون منه مزيد من المحاكاة التي يقوم عليها فقه الصوم في نفس المسلم، فيكون التغيير.

وربنا -سبحانه- غيَّر سننًا كونية في رمضان؛ ففتح لنا أبواب الجنة! وأغلق أبواب النار! وصفّد لنا الشياطين! وليس هذا إلا تغييرًا في رمضان، ونفحات من رمضان... لكن تبقي السنة الكونية: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (الرعد:11) ، ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (الأنفال:53).

لذلك لا بد للداعية من أن يستثير الإيجابية في نفس المسلم، خصوصًا أنه في عبادة هي كلها لله -تعالى-؛ قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: ( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ) (متفق عليه) ، فهذا سيكون له أثر كبير في تقوية العزم نحو التغيير.

5- إحياء فقه الأمل:

ففي شهر رمضان المبارك العديد من الأحداث الهامة في تاريخ الأمة؛ ففيه: "بدر الكبرى"، وفيه: "فتح مكة"، وفيه: "فتح الأندلس"، وفيه: "عين جالوت"، وفيه: "العاشر من رمضان".

والداعية الفقيه لا يسرد هذه الأحداث سردًا قصصيًا، يداعب به نفوس الناس، ويجعلهم يعيشون مع لذة التاريخ وأمجاده، كلا، بل يربط بين حال المسلمين وبين النصر والهزيمة؛ ليكون هذا مرشدًا لهم في واقعهم المعاصر؛ فإحياء الأمل في النفوس مع استمرار المحاولة الجادة في تغيير الواقع مطلب مهم؛ حتى لا تصاب النفوس باليأس والإحباط من جرَّاء الانكسارات المتتالية للأمة في وقتها المعاصر.

الصفحة السابقة