شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إنه لا يحب المستكبرين

علي حاتم • من نور الوحيين

1- فالمتكبر ينازع الله في أهم صفاته: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يَقُولُ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ-: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، مَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .

2- مثقال ذرة من الكبر تمنع صاحبها من دخول الجنة: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ) (رواه مسلم) .

3- المتكبرين يسكنون النار، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( احْتَجَّتْ النَّارُ وَالْجَنَّةُ فَقَالَتْ هَذِهِ يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَقَالَتْ هَذِهِ يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ فَقَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: لِهَذِهِ أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَقَالَ لِهَذِهِ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا ) (رواه مسلم) .

4- يصيبهم الذل والصغار في عرصات القيامة:

ولما كان الكبر إحساسا بالعظمة في النفس ينعكس على تصرفات المستكبر مع غيره، احتقارًا واستغلالاً للنفوذ، وإعجابًا بالنفس، واستبدادًا بالرأي، وإهانة للآخرين، كان الجزاء في الآخرة من جنس العمل.

عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال -صلى الله عليه وسلم-: ( يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةِ الْخَبَالِ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) .

وقد قيل: من كان أشد تكبرًا كان أقصر قامة في الآخرة، وعلى هذا كل من كان أشد تواضعًا لله كان أعلى هامة وأرفع قامة. نسأل الله أن يرزقنا من فضله، وأن يعيذنا من شر الكبر وأهله في الدنيا والآخرة.

5- ولما كان المتكبرون عادة يتكبرون بنعم الله عليهم، فهذا يتكبر بالمال، وهذا بالقوة والسلطان وآخر بالجاه والنفوذ، ومنهم من يتكبر بالعلم... كانت هذه العقوبة من نوع خاص وأشد لهؤلاء الذين لم تكن تتوافر لديهم دواعي الكبر والعجب والغرور، ومع ذلك تكبروا! قال -صلى الله عليه وسلم-: ( ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ ) (رواه مسلم) . فذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- العائل: أي الفقير المستكبر، وهذا مما يدل على أن الكبر خلق ذميم في النفس -والعياذ بالله-.

الكبر سبب لهلاك الأمم في الدنيا:

والكبر لا يفتك بالمتكبرين الأفراد في الدنيا فقط، بل إنه يذهب بالأمم، فكم من أمة أهلكها الكبر، ذلك أن من أعظم مظاهر الكبر التكذيب بالله ورسله، اتباعًا للهوى، فإنزال الله للكتب وإرساله للرسل يضرب مصالح أصحاب الهوى في مقتل.

- فهؤلاء قوم نوح الذين لما دعاهم نوح إلى الإيمان: ( اسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا )، يقول الله -عز وجل- مبينًا مصيرهم ومآلهم في الدنيا: ( مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا ) (نوح:25) .

- وهؤلاء قوم عاد يقول الله عنهم: ( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً... ) إلى أن قال: ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ) (فصلت:16) .

والسؤال الآن: هل للكبر من علاج؟

وباستقراء أسباب الكبر، والتي سبق التنويه عنها تنويهًا سريعًا يمكن اقتراح طرق العلاج على النحو التالي:

1- تذكر الآخرة واستحضار مآل المستكبرين ومصيرهم المحتوم، كما سبق التوضيح.

2- إذلال النفس لله وتذكر أسمائه الحسنى وصفاته العليا، ومنها: "العظيم - الجبار - المتكبر"، والتعبد لله بما تقتضيه معاني هذه الصفات.

3- تذكر نعم الله على العبد، ودعوة الله في كتابه للأمم وللأفراد أن يذكروا نعم الله عليهم.

وتذكر نعم الله -تعالى- على العبد يوجب عليه أن يشكرها، ويكون ذلك بالقلب اعترافًا، وباللسان ثناءً، وبالجوارح تعبدًا لله -عز وجل-.

4- الاقتداء بإمام المتواضعين -صلى الله عليه وسلم-، ودراسة سيرته -صلى الله عليه وسلم- التي تتعلق بصفة التواضع الذي هو ضد الكبر.

فلقد كان -صلى الله عليه وسلم- في خدمة أهله، وكان يخصف نعله، ويفلي ثوبه، ويأكل مع الخادم، وكان يداعب الصِبية، ويقرب الضعفاء في مجلسه، ويعطف على اليتامى والمساكين.

5- الاقتداء بسير الصالحين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وأئمة الهدى في كل زمان ومكان.

وما أروع ما فعله "هارون الرشيد" حيث وقف على بابه يهودي له عند الخليفة حاجة، واستمر وقوفه طويلاً في انتظار أن يرى هارون خارجًا من قصره، فلما رآه قال له: "يا هارون اتق الله"، فنزل هارون عن فرسه وسجد لله، ثم قضى حاجة اليهودي، فقيل لهارون: "أتسجد لله لكلام اليهودي"؟! فقال: "إني خشيت أن أكون من قال الله عنهم: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ) (البقرة:206) ".

6- أن ينظر الإنسان إلى نفسه كيف جاء إلى الدنيا، وكيف كان قبل ذلك، قال -عز وجل-: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) (الإنسان:1) .

- فالإنسان لم يك شيئًا مذكورًا، ثم كان نطفة بقدر الله -عز وجل-، ثم كان علقة، ثم كان مضغة، ثم نفخ فيه الروح، ويكتب عند ذلك رزقه وعمره، وعمله، وشقي أم سعيد؟

- وكذلك كل الناس.. فلم العجب؟!

ولم التكبر على الناس؟!

ولم الفخر والاستبداد؟!

والله وحده المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الصفحة السابقة