عدد ركعات التراويح والاجتماع على صلاة بعدها
حسن عمر • بحوث شرعية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
صلاة التراويح:
هي صلاة القيام في رمضان، وهي أفضل الصلاة بعد الفريضة، روى أحمد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الْمَفْرُوضَةِ، صَلاةٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُحَرَّمَ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
وقد دلت السنة على فضل التعاون على قيام الليل؛ فقد روى أبو داود عن أبي سعيد وأبي هريرة -رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا، أَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا، كُتِبَا فِي الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
وقد رتب النبي -صلى الله عليه وسلم- الأجر والثواب على قيام الليل والاجتهاد في ذلك، فروى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ المُقَنْطِرِينَ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
والأفضل أن يصليها مع الإمام في جماعة حتى ينصرف الإمام ليكتب له قيام الليل كله؛ لما روى أبو داود عن جبير بن نفير عن أبي ذَر -رضي الله عنه- قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ قَالَ: فَقَالَ: ( إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ )، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلاَحُ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا الْفَلاَحُ؟ قَالَ: السُّحُورُ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِقِيَّةَ الشَّهْرِ (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
فقد قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الليل بأصحابه جماعة ثلاث ليالي، لكن لم يداوم على جماعة واحدة؛ لئلا يفترض عليهم، فلما مات الرسول -صلى الله عليه وسلم- استقرت الشريعة، فلما كان عمر -رضي الله عنه- جمعهم على إمام واحد.
ومما يحرص عليه الشيطان إشغال الناس عن العبادة، واستغلال الفرص والمنح الربانية التي قد لا تتكرر، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( افعلُوا الخَيْرَ دَهْرَكم، وتَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ فإِنَّ لِلَّهِ نَفَحاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِها مَنْ يشاءُ مِنْ عِبادِهِ وسَلوا اللَّهَ أنْ يَسْتُرَ عَوْراتِكمْ وأنْ يُؤَمِّنَ رَوْعاتِكمْ ) (رواه الطبراني في الكبير، وحسنه الألباني) .
ومن ذلك: صلاة التراويح حيث قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) ، فينشغل الناس عنها بعددها فمن قائل: لا تجوز الزيادة على ثلاثة عشرة ركعة! ومن قائل: ببدعة القيام الثاني، وعدم جواز الاجتماع على صلاة أخرى بعد التراويح!
وقد دلت الشريعة الغراء على أن الأمر في ذلك واسع يسعنا ما وسع السلف، وغايته أن يقال: إن هذا من الخلاف السائغ الذي لا يبدع فيه المخالف ولا يفسق، ولا ينكر عليه، وذلك لما توافرت به أدلة السنة على ذلك، وأقوال السادة الأئمة -رضوان الله عليهم-.
فقد جاء في الصحيحين: عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ: كَيْفَ صَلاةُ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ: ( مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ تُوتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلَّيْتَ ).
وقد أطلق النبي -صلى الله عليه وسلم- في جواب السائل فلم يحدد له عددًا، وقد كان الرجل يجهل بكيفية قيام الليل وجهله بالكمية أولى، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وروى أبو داود عن قيس بن طلق قال: زَارَنَا طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَمْسَى عِنْدَنَا، وَأَفْطَرَ، ثُمَّ قَامَ بِنَا اللَّيْلَةَ، وَأَوْتَرَ بِنَا، ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى مَسْجِدِهِ، فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ قَدَّمَ رَجُلاً، فَقَالَ: أَوْتِرْ بِأَصْحَابِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ( لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
والأثر يدل على الزيادة على ثلاث عشرة ركعة، وعلى جواز الاجتماع على صلاة بعد التراويح، كما يدل على جواز الصلاة بعد الوتر.
وروى البيهقي وغيره عن السائب بن يزيد الصحابي -رضي الله عنه- قال: " كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في شهر رمضان بعشرين ركعة. قال: وكانوا يقرؤون بالمئين، وكانوا يتوكؤون على عصيهم في عهد عثمان -رضي الله عنه- من شدة القيام".
قال شعيب الأرنؤوط: هذا إسناد صحيح رجاله كلهم عدول ثقات، وصحح إسناده النووي في المجموع، والعراقي في طرح التثريب، والسيوطي في المصابيح، وقال المباركفوري في التحفة: صحح إسناده النووي وغيره.
وحديث عائشة -رضي الله عنها- في وصف وتر النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم قالت: "ثُمَّ يُوتِرُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ" (روا مسلم) .
وهذه أقوال السادة الأئمة والعلماء في عدد ركعات التراويح:
الحنابلة: