وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
قال ابن القيم -رحمه الله- في بيان أهمية الرجاء وحاجة العبد إليه: "قوة الرجاء على حسب قوة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وغلبة رحمته غضبه، ولولا روح الرجاء لعطلت عبودية القلب والجوارح، وهدِّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا، بل لولا روح الرجاء لما تحركت الجوارح بالطاعة، ولولا ريحه الطيبة لما جرت سفن الأعمال في بحر الإرادات، ولي من أبيات:
لـــولا التعلق بالرجاء تـقـطعــت نفس المحب تحسـرا وتــمـزقا
وكذاك لولا بـــرده بــحـــرارة الأ كـــبــاد ذابـت بـالحجاب تحرقــا
أيـكـون قــط حـلـيـف حب لا يرى بـرجـــائـه لــحــبــيـبـه متـعلـقـا
أم كـلـمـا قويت مــــحــبــتــه لـه قــوي الرجاء فزاد فيه تشــوُّقـا
لولا الرجا يحدو المطي لما سرت بـحــمـولها لديارهم ترجو اللـقـا
وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء.
وكل محبٍّ راجٍ خائفٌ بالضرورة؛ فهو أرجى ما يكون لحبيبه، أحب ما يكون إليه، وكذلك خوفه؛ فإنه يخاف سقوطه من عينه، وطرد محبوبه له، وإبعاده واحتجابه عنه، فخوفه أشد خوف، ورجاؤه ذاتي للمحبة؛ فإنه يرجوه قبل لقائه والوصول إليه، فإذا لقيه ووصل إليه اشتد الرجاء له؛ لما يحصل له به من حياة روحه ونعيم قلبه من ألطاف محبوبه، وبره، وإقباله عليه، ونظره إليه بعين الرضى، وتأهيله في محبته، وغير ذلك مما لا حياة للمحب ولا نعيم ولا فوز إلا بوصوله إليه من محبوبه، فرجاؤه أعظم رجاء وأجله وأتمه.
فتأمل هذا الموضع حق التأمل يطلعك على أسرار عظيمة من أسرار العبودية والمحبة، فكل محبة فهي مصحوبة بالخوف والرجاء، وعلى قدر تمكنها من قلب المحب يشتد خوفه ورجاؤه، لكن خوف المحب لا يصحبه وحشة بخلاف خوف المسيء، ورجاء المحب لا يصحبه علة بخلاف رجاء الأجير، وأين رجاء المحب من رجاء الأجير وبينهما كما بين حاليهما؟" "مدارج السالكين 2/42-43" .
ثم ذكر بعض فوائد الرجاء فقال:
" منها: إظهار العبودية والفاقة والحاجة إلى ما يرجوه من ربه ويستشرفه من إحسانه، وأنه لا يستغني عن فضله وإحسانه طرفة عين.
ومنها: أنه سبحانه يحب من عباده أن يؤملوه، ويرجوه، ويسألوه من فضله؛ لأنه الملك الحق الجواد، أجود من سُئل، وأوسع من أعطى، وأحب ما إلى الجواد أن يرجى ويؤمَّل ويُسأل، وفي الحديث: ( مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، والسائل راجٍ وطالب، فمن لم يرجُ اللهَ يغضب عليه، فهذه فائدة أخرى من فوائد الرجاء، وهي التخلص به من غضب الله.
ومنها: أن الرجاء حادٍ يحدو به في سيره إلى الله، ويطيب له المسير، ويحثه عليه، ويبعثه على ملازمته، فلولا الرجاء لما سار أحد؛ فإن الخوف وحده لا يحرك العبد، وإنما يحركه الحب، ويزعجه الخوف، ويحدوه الرجاء.
ومنها: أن الرجاء يطرحه على عتبة المحبة، ويلقيه في دهليزها؛ فإنه كلما اشتد رجاؤه وحصل له ما يرجوه ازداد حبًّا لله -تعالى- وشكرًا له ورضًا به وعنه.
ومنها: أنه يبعثه على أعلى المقامات، وهو مقام الشكر، الذي هو خلاصة العبودية، فإنه إذا حصل له مرجوه كان أدعى لشكره.
ومنها: أنه يوجب له المزيد من معرفة الله وأسمائه ومعانيها والتعلق بها؛ فإن الراجي متعلقٌ بأسمائه الحسنى، متعبدٌ بها، وداعٍ بها، قال الله -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف:180) ، فلا ينبغي أن يُعطَّل دعاؤه بأسمائه الحسنى التي هي أعظم ما يدعو بها الداعي، فالقدح في مقام الرجاء تعطيل لعبودية هذه الأسماء، وتعطيل للدعاء بها.
ومنها: أن المحبة لا تنفك عن الرجاء كما تقدم، فكل واحد منهما يمد الآخر ويقويه.
ومنها: أن الخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف، فكل راجٍ خائف، وكل خائف راجٍ، ولأجل هذا حَسُن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف، قال الله -تعالى-: ( مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ) (نوح:13) ، قال كثير من المفسرين: "المعنى ما لكم لا تخافون لله عظمة"، قالوا: "والرجاء بمعنى الخوف".
والتحقيق: أنه ملازم له؛ فكل راجٍ خائف من فوات مرجوه، والخوف بلا رجاء يأس وقنوط، وقال -تعالى-: ( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ) (الجاثية:14) ، قالوا في تفسيرها: "لا يخافون وقائع الله بهم كوقائعه بمن قبلهم من الأمم".
ومنها: أن العبد إذا تعلق قلبه برجاء ربه فأعطاه ما رجاه؛ كان ذلك ألطف موقعًا، وأحلى عند العبد وأبلغ من حصول ما لم يرجه، وهذا أحد الأسباب والحِكَم في جعل المؤمنين بين الرجاء والخوف في هذه الدار، فعلى قدر رجائهم وخوفهم يكون فرحهم في القيامة بحصول مرجوهم واندفاع مخوفهم.
ومنها: أن الله -سبحانه وتعالى- يريد من عبده تكميل مراتب عبوديته من الذل والانكسار والتوكل والاستعانة والخوف والرجاء والصبر والشكر والرضى والإنابة وغيرها، ولهذا قدَّر عليه الذنب وابتلاه به؛ لتكمل مراتب عبوديته بالتوبة، التي هي من أحب عبوديات عبده إليه، فكذلك تكميلها بالرجاء والخوف.
ومنها: أن في الرجاء من الانتظار والترقب والتوقع لفضل الله ما يوجب تعلق القلب بذكره، ودوام الالتفات إليه بملاحظة أسمائه وصفاته، وتنقُّل القلب في رياضها الأنيقة، وأخذه بنصيبه من كل اسم وصفة كما تقدم بيانه، فإذا فني عن ذلك وغاب عنه فاته حظه ونصيبه من معاني هذه الأسماء والصفات.
إلى فوائد أخرى كثيرة يطالعها من أحسن تأمله وتفكره في استخراجها، وبالله التوفيق" "مدارج السالكين 2/50-52" .