إن الله لا يحب الخائنين
علي حاتم • التزكية
- وَعَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ -رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ- قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ وَكَانَ يَسِيرُ نَحْوَ بِلاَدِهِمْ حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ غَزَاهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لاَ غَدَرَ، فَنَظَرُوا فَإِذَا عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ( مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلاَ يَشُدُّ عُقْدَةً وَلاَ يَحُلُّهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُهَا أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ )، فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ. (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
- وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أكد على أن أعظم الغدر هو غدر الإمام، روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ ).
- ويعلق القرطبي -رحمه الله- على الحديث بقوله: "قال علماءنا: إنما كان الغدر في حق الإمام أعظم وأفحش منه في غيره، لما في ذلك من المفسدة؛ فإنهم إذا غدروا وعلم ذلك منهم، ولم ينبذوا بالعهد لم يأمنهم العدو على عهد ولا صلح فتشتد شوكته ويعظم ضرره، ويكون ذلك منفرًا عن الدخول في الدين، وموجبًا لذم أئمة المسلمين، فأما إذا لم يكن للعدو عهد فينبغي أن يُتحيل عليه بكل حيلة، وتدر عليه كل خديعة، وعليه يُحمل قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( الْحَرْبُ خَدْعَةٌ ) (متفق عليه) ".
- وإذا كانت خيانة بانتهاك حدوده وفرائضه، وثوابته ومبادئه، والتفريط فيها هي أعظم صور الخيانة بما في ذلك عدم تطبيق شرع الله، وعصيان أوامره، وترك سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن هناك صورًا أخرى للخيانة تتفرع عن ذلك الأصل، وهو خيانة الدين.
من بين تلك الصور التي تفشت في واقع المسلمين المعاصر:
الاختلاسات:
فالمختلس موظف لا يقنع ولا يرضى بما قسمه الله -عز وجل- من دخل وظيفته، بل يمد يده للمال العام يغترف منه، والمال العام غلول ( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (آل عمران:161) ، وهذا المختلس خائن لوظيفته، خائن لتعاليم الدين، مرتكب للحرام، آكل للأموال بالباطل.
الرشوة والمحسوبية:
وهي أن يتلقى الموظف المؤتمن على مسئوليات موقعه الوظيفي رشوة في صورة أموال نقدية، أو عينية، وذلك لإسناد وظيفة إلى غير من يستحقها وليس كفؤًا لها، أو إعطاء حق لشخص ليس من حقه أن يحصل عليه، بل هو من حق شخص آخر.
ويترتب على هذه المصيبة الكبيرة استبعاد ذوي الكفاءات من مواقع العمل والمسئولية، وتولية الأقل كفاءة مما يعود بالضرر في النهاية على مجتمعات المسلمين، ويقوض أركانها، ويهدم بنيانها، وهو علامة من علامات الساعة.
- وما تخلف الأمة وانحطاطها إلا من ثمار هذه الآفة اللعينة التي ترتب عليها إبعاد العقول المتميزة وهجرتهم إلى بلاد الكفر، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي سأله: مَتَى السَّاعَةُ؟ قال: ( فَإِذَا ضُيِّعَتْ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ ). قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: ( إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ ) (رواه البخاري) .
والله وحده المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.